تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد أرادته للقلب الطاهر، وأرادها هو للجسد الثائر، أرادته للطهر والمعبد وأرادها هو للدنس والماخور، فتمنعت الفتاة عن نابه الطحون، فنظم فيها ديوانه "ترجمان الأشواق" قرباناً من شهواته إلى جسدها الفواح العطر والفتنة، لعلها تنحدر معه إلى الهاوية، فتهب له من جسدها مضغة، أو من دمها رشفة، فذادته الفتاة عن حرم مخدعها الوردي، ولجت في إبائها النبيل الكريم، وأبت غلا أن تكون عذراء متألقة العرض، روحانية العاطفة، ممنعة العفة والشرف، ترى، هل أراب اليأس منها عشق ابن عربي؟ كلا، فقد استغرق نفسه، ووجوده، وملآ عليه دنياه فتنة ولهفة وقلقاً عاصفاً، فلم يعره اليأس، ولا مس لهبه خمود، فعاد إلى ديوانه يشرحه بدين الصوفية، يؤكد لهذه الجميلة النافرة الأبية أنها هي الرب متجسداً في صورة أنثى جميلة، وأنه ما أحبها إلا لأنها أجمل تعينا الحقيقة الإلهية، وأنه - إذ يتشهاها - فإنما يتشهى فيها أنوثة ربه، وجسده الفائر!! فأتب المرأة إلا أن تكون أنثى شريفة، لا رباً صوفياً يحتسي الآثام!! ومضى ابن عربي وراء الأسطورة موغلا في التيه الموحش، والدغل الرهيب، مضى وراءها يمجدها، ويهتف بها حتى صارت الأسطورة حقيقة صوفية صريحة، منحها ابن عربي وجوداً حياً صريحاً، وأمدها مثله الأحبار الزنادقة معه ومن بعده وهكذا تغزل الصوفية في "ليلى وبثينة وسعاد"!!

وتسائلهم، فيزمون الشفاه تهكما من حماقة جهلك!! ويرمقونك بالنظر الشزر، وكأنما يقولون لك: مسكين!! ما زال يجهل أن ربنا أنثى جميلة!! ضليل!! لم يهتد إلى أن الغانية اللعوب الهلوك هي الأفق الأعظم لتجليات الربوبية والإلهية، وإلى أن جسدها المنهوم الجائع إلى الآثام جسد ربنا الأعظم!! وأنها هي هو جسداً فاتنا، ورذيلة سوداء!!

فقر الإله الصوفي إلى الخلق

هذه هي الصوفية · الصفحة ٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

هذه هي الصوفيةص ٣٨