وإذا قارنت هذه الروايات بقوله سبحانه عن المهاجرين والأنصار : وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة : 100]. علمت أن الله عز وجل لما وعدهم بالجنات والخلود فيها دل ذلك على أنهم يموتون على الإيمان والهدى، ولا ينافي هذا وقوع المعاصي منهم فهم غير معصومين، ووعد الله حقٌ لا خلف فيه، ومن أصدق من الله قيلاً، ومن أصدق من الله حديثاً.
وبناءً على هذا يتضح أن هؤلاء المهاجرين والأنصار لا يمكن أن يكونوا هم المرادون في حديث الحوض؛ لوعد الله عز وجل لهم بالجنات والخلود فيها ووعد الله حق، وكذا لإخباره أنه رضي عنهم كما في نفس الآية.
وأما المراد بحديث الحوض ففيه عدة أقوال، ومنها : أنه من أسلم ولم يحسن إسلامه ممن كان باليمامة مثلاً وشهد حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم اتبع بعد ذلك أحد الذين ادعوا النبوة كطليحة وسجاح أو غيرهما.
وينبغي أن يعلم -أيضاً- أن هؤلاء قليلٌ لا كما يصورهم بعض أصحاب الهوى؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أنه يعرض عليه زمرٌ من أصحابه. وفي رواية : رجالٌ. وفي رواية : أناسٌ. ثم بيَّن أن من يخلص من بين تلك الزمر مثل همل النعم، ولم يقل : إنَّ الذين يردون عليه جميع أصحابه ولا يخلص منهم إلا مثل همل النعم، فتأمل الفرق!