و مأجوج من تحت ردم ذي القرنين، و أنّ الحروف المقطّعة لا تعبّر عن كلمات معروفة و دارجة في الّلسان العربي و لذلك فإنّه لا يمكن تأويلها أصلا، و أنّ القرآن يحتوي بوضوح على كثير من الآيات المشتبهة التي لا يمكن القطع بدلالاتها مثل الغموض المنجرّ عن تجاور آيتي الزّنا في سورة " النّساء " ومثل عموم خطاب آيات " المؤمنون " في الرّجال و النّساء و مثل الآيات المتناسخة التي لم يُحدّد الخطاب ناسخها من منسوخها. ولو ثبتت مزاعمنا ألا يكون المفسّرون " أولئك الذين سماهم الله " و أمر الرّسول بالحذر منهم؟
4 - 2 - 3 / عمل (أو إجماع أهل المدينة)
ذكرنا في مقدّمة بحثنا أنّ مالكا قد تميّز عن غيره من الفقهاء بإقامته في يثرب نواة الدّعوة و مقرّ أهمّ مراحل الخلافة الرّاشدة. و لئن كان ينتظر منه أن يكون قريبا – بفضل هذه الميزة - من أحكام النّصّ و مقاصده فقد استغلّها في إرساء مبدإ فقهيّ اصطلح عليه بعمل أو إجماع أهل المدينة معتبرا أنّ أحكامهم وشرائعهم موافقة لمقاصد الوحي الذي تنزّل و تفاعل بينهم، فاتبعه فيه معظم تلاميذه.
و لقد أكّد كولسن بأنّ: " المعيار الأعلى لدى [مالك] هو اتفاق علماء محلّته في الرّأي، و لم يكن هناك في تطبيق ذلك المعيار أيّ نوع من التمييز للأخبار المرويّة عن النّبيّ أو غيره من فقهاء الصّحابة و التابعين، بحيث تندّ سيطرة ذلك المعيار. فالموطّأ في أساسه مؤلّف فقهيّ يُسجّل الواقع العملي السّائد في المدينة " (1). و يفيد هذا القول بأنّ مالكا قد سلك بهذا المبدإ الفقهي مذهبا شاذا يعسر أن يسايره فيه الفقهاء باعتبار إجازته لمخالفة أقوال الرّسول و أصحابه التي تعتبر مقدّمة في الأصول على ما دونها من الأقوال الفقهيّة.
و يُمكن للفقيه بفضل مبدإ " عمل أهل المدينة " أن ينسخ ما شاء من أحكام الوحي إن هي خالفته. و لقد ذكر ابن حزم الأندلسي أنّ " مالكا لم يدع إجماع أهل المدينة في موطّئه إلاّ في نحو ثمان وأربعين مسألة فقط " (2) أي إنّه قد ترك بيان القرآن و تواتر الرّواية و استنبط التشريع من الممارسة، وهو خطأ منهجيّ واضح باعتبار أنّ الأولويّة في التشريع تكون للمصادر النظريّة الأساسيّة، و لا يُلتفت إلى التطبيق إلاّ لسبر مقدار موافقته لتلك الأسس.
و رغم أنّ الشافعي من أوائل من نبغ من تلميذ مالك فقد عارضه في ترجيحه لعمل أهل المدينة على سائر الأدلّة و جعله حجّة على تهافت مذهبه و ذريعة لاعتزاله " فروى .. من مخالفات مالك لقول الصّحابي دون أن يرجع .. إلى قول صحابيّ آخر في المسألة و دون الرّجوع إلاّ لما يسمّيه (عمل أو إجماع أهل المدينة) الذي يُنكر الشافعي بشدّة تحققه و لا يرى فيه في نهاية الأمر إلاّ أنّ مالكا كان يترك الخبر أو الأثر عن رسول الله (ص) أو عن الصّحابة لرأي نفسه الذي يُسمّيه (عمل أو إجماع أهل المدينة) " (3).
و يؤكّد تشخيص الشافعي لدوافع مالك في إرساء مبدإ الأخذ بعمل أهل المدينة أنّ الرّجل قد جعله مطيّة و غطاء لتمرير مواقفه التشريعيّة الخاصّة مهما خالفت مواقف الوحي و السّلف. و لقد زاد الباحث محمّد بلتاجي مطعنا آخر في هذا المبدإ الفقهي فقال: " و لو راجعنا كلّ هذه المسائل فسنجد أنّ تعبير مالك .. عنها [بإجماع أهل المدينة] غير صحيح في كثير منها ذلك أنّه قد ثبت أنّ فقهاء المدينة لم يجتمعوا على كثير ممّا أطلق عليه مالك مصطلحه الشهير، بل توزّعت آراؤهم فيه بين الموافقة والمخالفة. و هذا يعني أنّ العمل بالمدينة لم يتوحّد فيها أيضا، حيث يُتصوّر بداهة و عادة أن يتبع جمع من أهل المدينة .. قول كلّ فقيه فيها، ممّا يُعدّد العمل في المدينة تبعا لتعدّد أقوال الفقهاء بها في المسألة. و قد كان ثبوت مثل هذا الاختلاف و التعدّد الحجّة القويّة التي استند إليها كثير من الفقهاء في ردّ دعوى (إجماع أهل المدينة) التي نادى بها مالك .. و [قال] ابن حزم .. : (صحّ أنّ [مالكا] أترك النّاس لعمل أهل المدينة) " (4).
(1) - كولسن: " في تاريخ التّشريع الإسلامي"، ص 73.
(2) - محمّد بلتاجي: " مناهج التشريع الإسلامي "، ص 440.
(3) - نفسه: ص 430.
(4) - نفسه: ص 440.