تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أدنى مؤيّدات المنطق و العدالة، و ناقضت في الآن ذاته ما ذكرناه من أقوال و تأويلات نقلها القرطبي نفسه. و تتجلّى هذه الطّعون في الملاحظات الآتية:

- نفى القائلون بأفضليّة السّادة على المماليك أيّ دور إنسانيّ حقيقيّ لهذه الفئة، في كلّ مجالات الحياة، و اعتبروهم أقلّ تكليفا و عناء من مالكيهم. و يؤكّد - مقابل ذلك - التاريخُ المتواتر عند الفقهاء أنفسهم أنّ العبيد كانوا ينهضون بأشق المهامّ العسكريّة و الاقتصاديّة في المجتمعات الإسلاميّة القائمة على نظام الرّق، و أنّ تكليف السّادة لم يكن في الأصل سوى تشريف لهم و تمكينا من السّلطة و المال والحظوة أغنتهم عن العناء الذي وصفهم به المفسّر و سلفه. و حاصل الأمر أنّه لو أقيمت المفاضلةعلى أساس أهميّة الدور الحضاري للسّادة و المماليك فسيفضل العبد سيّده و الأمة مولاتها.

- رجّحنا في الفصل الأولّ أنّ سبب تنصيف عقوبة الزّنا للإماء في القرآن هو بالأساس فقدانها للحريّة و إمكانيّة تعرّضها للإكراه على الوطء، و بيّنّا موافقة القرطبي لفهمنا ساعة اعتبر في تفسير الآية المتضمّنة للحكم (1) أنّ " الفائدة في نقصان حدهن أنهن أضعف من الحرائر. و يقال: إنهن لا يصلن إلى مرادهن كما تصل الحرائر. و قيل: لأن العقوبة تجب على قدر النعمة " (2). إلاّ أنّه سرعانما انقلب على نفسه في تفسير إحدى آيات السّورة ذاتها (3) و اعتبر أنّ سبب تنصيف القرآن للعقوبة هو سعيه لإشعار المسلمين " بخسة مقدار " الرّقيق، و لقد أكّدنا خلوّ القرآن التّامّ من أمثال هذه المقاصد.

- جعل المفسّر من قول أبي هريرة الشاهد على حظ العبيد في عالم الغيب الآجل دليلا على تقدّم السّادة عليهم محتجّا بعدم كفاءة المماليك في أداء الشهادات، و بسقوط فريضتي الحجّ و الجهاد عليهم رغم أنّهما مفروضتان في الأصل - كما سيأتي - على كلّ المؤمنين دون تخصيص.

? قال القرطبي: " فهم المسلمون من هذه الآية .. [ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَ مَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَ جَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ] (4). نقصان رتبة العبد عن الحر في الملك، و أنه لا يملك شيئا و إن ملك. قال أهل العراق: الرق ينافي الملك، فلا يملك شيئا البتة بحال .. و منهم من قال: يملك إلا أنه ناقص الملك، لأن لسيده أن ينتزعه منه أي وقت شاء، و هو قول مالك و من اتبعه، و به قال الشافعي في القديم. و هو قول أهل الظاهر " (5).

فجعل هذه الآية حجّة على تأخر مرتبة المماليك عن مواليهم، و أحد المستندات الأساسيّة لأهمّ الأحكام الفقهيّة الجائرة على حقوق الرّقيق، رغم أنّها لا تعدو أن تكون مثلا ضربه الوحي للكناية عن العجز البشري مقابل المقدرة الإلهيّة، و رغم إيحاء السّياق الذي ورد فيه هذا المثل بأنّ الخطاب قد صوّر في الآية واقع المماليك دون أن يعبّر عن تواطئه عليه، وتؤكّد الآيات المشرّعة لحقوق الرّقيق هذا الظنَّ، و يؤكّده منهج القرآن العامّ في حصر المفاضلة بين النّاس في الإيمان، و في إقامة واجباتهم تجاه الدّين من دعوة و جهاد و إنفاق.

و من أهمّ أحكام الرّقيق التي نسبها القرطبي إلى فهم المسلمين لمقاصد هذه الآية: منع المماليك من حق الملكيّة و إسناد كلّ ما يملكونه إلى أسيادهم، فحرموهم حتى من نصيبهم في غنائم الحروب التي يشتركون فيها: قال سحنون: " قلت: أرأيت الصّبيان و العبيد هل يُضرب لهم في الغنيمة بسهم إذا قاتلوا في قول مالك؟ قال: لا " (6).

و الواقع أنّه لا يوجد في القرآن ما يبرّر هذا الحكم المجوّز للسّادة حيازة أموال رقيقهم، بل إنّه يحتوي على ما يعارضه بوضوح، فقد وردت آيتان (7) صريحتان حرّمتا على المؤمنين أكل الأموال بينهم بالباطل دون أن تستثنيا تعامل السّادة مع مماليكهم.

(1) - سورة النساء: 4/ 25.

(2) - القرطبي: " الجامع لأحكام القرآن ": ج 3 ص 132 (المسألة 19).

(3) - سورة النساء: 4/ 25.

(4) - سورة النحل: 16/ 75.

(5) - القرطبي: " الجامع لأحكام القرآن ".

(6) - " مدوّنة سحنون ": ج 1 ص 575 (كتاب الجهاد).

(7) - سورة البقرة: 2/ 188، و سورة النساء: 4/ 29.

حد الزنا في المذهب المالكي · الصفحة ٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حد الزنا في المذهب المالكيص ٤٩