تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النَّارِ]: المرأة السوء. قلت: وهذا فيه بعد، ولا يصح عن علي، لأن النار حقيقة في النار المحرقة، وعبارة المرأة عن النار تجوز " (1).

و يفيد قول عليّ، إن صحّ، بأنّ المرأة واقعة في القرآن بين طرفي نقيض، أوّلهما: تعظيم الخطاب لها بأن جعلها حسنة الدّنيا، و ثانيهما حطّه من شأنها و تشبيه لها بالنّار إن ساءت سيرتها. غير أنّ القرطبي قد حرص على تضعيف المأثور عن هذا الصّحابي مدّعيا أنّ الخطاب قد عنى النّار حقيقة رغم اطراد أساليب الكناية و المجاز في القرآن، ثمّ انتهى في ادعائه إلى إبطال تأويل حسنة الدّنيا بالمرأة و تجويز " عبارة المرأة عن النار ". و الحقيقة أنّه لا أصل مطلقا في القرآن لهذا المعنى باعتبار أنّه لم يسع قطّ كما بيّنّا إلى تجريم النّساء من دون الرّجال.

? نقل القرطبي عن مجاهد قوله في تأويل المقصود ب " السّفهاء " في الآية: [وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَاماً وَ ارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَ اكْسُوهُمْ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً] (2). ": هم النساء. قال النحاس و غيره: و هذا القول لا يصح إنما تقول العرب في النساء سفائه أو سفيهات لأنه الأكثر في جمع فعيلة " (3). و الواقع أنّ هذه الآية لم تشر أبدا إلى تعلّق صّفة السّفه بالنّساء تخصيصا، و لم تشر لها أيّ آية أخرى في القرآن. بيد أنّه رغم وجاهة معارضة النّحّاس اللغويّة لهذا التأويل فقد تدارك القرطبي قول مجاهد في آخر المسألة بقول نقله عن " أبي موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة: أن المراد أموال المخاطبين حقيقة. قال ابن عباس: لا تدفع مالك الذي هو سبب معيشتك إلى امرأتك وابنك و تبقى فقيرا تنظر إليهم و إلى ما في أيديهم، بل كن أنت الذي تنفق عليهم"، ثمّ برّر هذا التّأويل بقوله: " فالسفهاء على هذا هم النساء و الصبيان صغار ولد الرجل و امرأته. و هذا يخرج مع قول مجاهد و أبي مالك في السفهاء " (4).

? قال القرطبي في تفسير الآية: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَ لَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ مَا يَفْتَرُونَ] (5): " سمع عمر بن الخطاب .. امرأة تنشد:

إن النساء رياحين خلقن لكم ** وكلكم يشتهي شم الرياحين

فأجابها:

إن النساء شياطين خلقن لنا ** نعوذ بالله من شر الشياطين " (6).

و نلاحظ أنّ القرطبي قد أورد هذا القول في سياق تفسير إحدى آيات الشياطين، و هي الآية الوحيدة في القرآن التي تصرّح بوجود شياطين الإنس، فكأنّه أراد أن يقول بأنّ معظمهم من النّساء. غير أنّه لم يصرّح بهذا التأويل لمخالفته الواضحة و الشديدة للموقف القرآني من المرأة، فعدل عن مقاصد النّصّ بالتلويح لا بالتصريح.

و الحقيقة أنّ معظم من سيقرأ هذا التفسير من عامّة المسلمين أو حتى من بعض خاصّتهم سيقارن تلقائيّا بين المرأة و الشيطان، و سيرسخ التلازم بينهما في ذهنه رغم اكتفاء القرطبي بالغمز و الإشارة.

? نقل القرطبي عن مجاهد قوله: إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزيّنها لمن ينظر فإذا أدبرت جلس على عجزها فزيّنها لمن ينظر " (7). و لقد صدع الفقيه بهذا الموقف الغيبي ابتداء دون أن يأثره عن النّبيّ أو عن الصّحابة، و إن كان يشبه أن يكون بدوره من الإسرائيليّات المتغلغلة في تفسير القرطبي رغم وعده في مقدّمته بتحاشيها. و رغم أنّ هذا القول يعتبر من المواعظ فإنّ تأثيره في التشريع و في القضاء حتميّ و مباشر لأنّه سيستقرّ في خلفيات الفقيه و القاضي و قناعاتهما.

(1) - القرطبي: " الجامع ": ج 1 ص 786.

(2) - سورة النّساء: 4/ 5.

(3) - القرطبي: " الجامع ": ج 3 ص 30 (المسألة الثانية).

(4) - نفسه: ج 3 ص 31 (المسألة الثانية).

(5) - سورة الأنعام: 6/ 112.

(6) - القرطبي: " الجامع ": ج 4 ص 62.

(7) - نفسه: ج 6 ص 517 (سورة النّور: المسألة الأولى من تفسير الآية 31).

حد الزنا في المذهب المالكي · الصفحة ٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حد الزنا في المذهب المالكيص ٤٣