التوراة و الإنجيل من القرآن رغم أنّه قد قام في الأصل لتقويم ما انحرف من الكتاب المقدّس، و رغم أنّ الفقه قد قام لترجمة مقاصد شريعته.
? الموقف العرفي / الفقهي من المرأة
تمثل المرأة في الفكر الإسلامي - المنفعل بعامل الأعراف القديمة و المثاقفة مع التوراة - أصل المكر و الغواية، و تعتبر مفاتنها عندهم أداة شيطانيّة توقع الرّجل في خطيئة الزنا المعتبرة من الخطايا المهلكة في الدّارين (1). و لقد عبّر القرطبي، في غير موضع و مقام من تفسيره، عن هذه الظاهرة و تولّى مقالة سلفه فيها رغم ما قدّمناه من أدلّة على موقف الوحي النّاصر للنّساء و المبرّئ لهنّ. فحرص المفسّر على تدعيم هذا المذهب و البرهنة عليه بتأويل بعض الآيات على غير وجهها، و نقل أحاديث معارضة بدا فيها النّبيّ مستنقصا من المرأة و محذرا من كيدها و متوعّدا لها بالعذاب. و لئن بيّنّا إقلال القرطبي من نقل الأخبار المنصفة للنّساء فقد كاد يحيط بتلك (2) المستنقصة لهنّ إذاعة لها و تثبيتا للموقف العرفي من المرأة الطّاغي على موقف الوحي.
و لقد رأينا أن ننقل معظم هذه التأويلات و الأخبار و ننقدها باعتبار أنّها قد مثلت ذرائع فقهيّة حادت ببعض الشرائع القرآنيّة عن مقاصدها البديهيّة و أتاحت للفقهاء و المفسّرين المسكونين بالهاجس العرفي مبرّرا لتشديد أحكام الزّنا على النّساء دون الرّجال.
فما هي أساليب القرطبي و سلفه في التمويه على مفارقتهم لمقاصد الوحي؟ و ما مدى تأثير موقف الفقهاء من النّساء في توجيه أحكام الزّنا الفقهيّة؟
? نبدأ هذا الحديث بدوره من أوّله، أي من تأويل المفسّرين و الفقهاء للآيات المخبرة عن قصّة الخلق و بداية المحنة البشريّة و أسبابها، قال القرطبي في مقام تفسيره للآية: [فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ] (3): إن قيل: لم قال [عليه] و لم يقل عليهما و حواء مشاركة له في الذنب بإجماع و قد قال [وَ لا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ] (4) و [قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا] (5) فالجواب: أن آدم عليه السلام لما خاطب في أول القصة بقوله [اسكن] خصه بالذكر في التلقي فلذلك كملت القصة بذكره وحده و أيضا فلأن المرأة حرمة و مستورة فأراد الله الستر لها و لذلك لم يذكرها في المعصية في قوله: [وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى] (6) و أيضا لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تذكر كما لم يذكر فتى موسى مع موسى في قوله [أَلَمْ أَقُلْ لَكَ] (7) و قيل: إنه دل بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها إذ أمرهما سواء " (8).
و نرى كيف استغلّ القرطبي هذا السّياق القرآني المحمِّل لآدم تخصيصا مسألة العصيان و التوبة في تأكيد التسليم بثانويّة المرأة و تبعيّتها للرّجل، و لم يجعله برهانا على بطلان القول بأنّ المرأة هي صاحبة المعصية و الموقعة بآدم فيها.
غير أنّ المفسّر قد ذكر في نهاية المسألة إقرارا من بعض السّلف لم يسمّهم (9) بتساوي آدم و زوجه في المعصية في قوله: " وقيل: إنه دل بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها إذ أمرهما سواء ". و رغم أنّ هذا القول توفيقيّ و غير دقيق باعتبار أنّ الخطاب قد قدّم آدم في المعصية كما بيّنّا و جعل زوجته شريكة له فإنّه لم يكن لمثل هذا القول أيّ تأثير على منهج القرطبي و سلفه في التحامل على المرأة.
و لئن اضطرّ المفسّر إلى نقل هذا الخبر المساوي بين آدم و حوّاء في مقام تفسيره لآيات الخلق مجاراة لما ذكرناه من تحميل القرآن فيها للمعصية لآدم فقد حمّل حوّاء المعصية في مقامات أخرى فاعتبر أنّ " أول من أكل من الشجرة حواء بإغواء إبليس إياها .. وإن أول كلامه كان معها لأنها وسواس
(1) - راجع: نائلة السليني: " تاريخيّة التفسير القرآني "، ج 1 ص ص 162/ 163 / 164.
(2) - بلغنا هذه النتائج عبر الاطلاع على كلّ أخبار المرأة في الكتب التسعة و عرضها على مرويّات القرطبي.
(3) - سورة البقرة: 2/ 37.
(4) - سورة البقرة: 2/ 35.
(5) - سورة الأعراف: 7/ 23.
(6) - سورة طه: 20/ 121.
(7) - سورة الكهف: 18/ 75.
(8) - القرطبي: " الجامع ": ج 1 ص ص 301 - 302 (تفسير الآية 37 من سورة البقرة، المسألة الرّابعة).
(9) - أشرنا إلى أنّ القرطبي كثيرا ما همّش الأقوال الوجيهة باقتضابها و عدم إحالتها على أصحابها، و إنّما يُغريه بعرضها سببان أساسيان، أوّلهما: شهرة هذه الأقوال و علوّ حججها، و ثانيهما: رغبته في مواجهتها و نقضها.