1 - 1 - 2 / الزنا في التوراة و الإنجيل
معلوم أنّ معظم الأحكام القرآنيّة قد نزلت في المدينة التي مثل اليهود (1) و بعض النّصارى - فضلا عن المهاجرين من قريش و الأنصار من الأوس و الخزرج - مكوّناتها الاجتماعيّة الأساسيّة، فيعتبر أهل الكتاب أفق الانتظار الثاني للخطاب القرآني الذي جادلهم في مواضع عديدة و بأساليب متنوّعة و بوّأ نفسه لتقويم كتبهم المقدّسة و إحياء أحكامها الأصليّة و تقويم ما شابها من تحريف و تصحيف.
فما هي حدود إقرار القرآن لما في الكتاب المقدّس بعهديه القديم و الجديد من أحكام في الزنا؟ و ما مدى توافق التوراة و الإنجيل في الموقف من الزنا و الزّناة؟
لتحقيق هذه المطالب سنقدم على استخلاص أهمّ النّصوص الجامعة لأحكام الزنا (2) من الكتاب المقدّس ثمّ نعرضها وفق انتظامها في سفر التّثنية من التوراة و بحسب مراتب البشارات و الرّسائل في الإنجيل، فنصف هذه الأحكام و نعلّق على الأسلوب الذي انتهجه الخطاب لسنّها، ثمّ نبحث في الإشارات النّصّيّة - متى توفّرت - إلى مقامات نشأة المواقف المقدّسة من الزنا.
و نشير إلى وعينا باختلاف نصوص الكتاب المقدّس بين طبعة و أخرى و بين سائر ملل اليهود و النّصارى و طوائفهم، فاقتصرنا على طبعة " دار الكتاب المقدّس في الشرق الأوسط " لسببين أساسيين، أوّلهما: اشتهار هذه الطّبعة و جمعها في اعتقادنا لأهمّ الأحكام المقدّسة في الزّنا القريبة في جانب منها من القرآن و في جانب آخر من أشهر الأحكام الفقهيّة. ثانيهما: أنّ بحثنا لا يتخصّص في تقصّي ظاهرة الاختلاف في الدّيانتين الكتابيّتين السّابقتين للإسلام.
الزنا في التّوراة
انحصرت تعرّضات التّوراة للزنا في سفر التّثنِيّة الذي تضمّن شريعة النّبيّ موسى. و لم يرد في هذا السّفر سوى سياق واحد تضمّن أحكاما على الزّناة سنفصل بينها و نعرض كلاّ منها منفردا. بينما ورد فيه نهي كثير عن الزنا و عِظاتٌ بتجنّبه فانتخبنا منها نصّين رأينا أنّهما أضافا بعض المعاني الفرعيّة لموقف شريعة اليهود من الزنا.
أحكام الزّنا في التوراة
? حكم متّهم زوجته بالزنا كذبا
نُسب إلى النّبيّ موسى قوله في الأصحاح الثّاني و العشرين: " إذا اتخذ رجل امرأة و حين دخل عليها أبغضها .. و قال هذه المرأة اتخذتها و لمّا دنوت منها لم أجد لها عُذرة. يأخذ الفتاةَ أبوها و أمّها و يُخرِجان علامة عُذريّتها إلى شيوخ المدينة .. فيأخذ شيوخ تلك المدينة الرّجلَ و يؤدّبونه و يُغرمونه بمائةٍ من الفضّة و يعطونها لأبي الفتاة لأنّه أشاع اسما رديئا عن عذراء من إسرائيل فتكون له زوجة و لا يقدر أن يُطلّقها كلّ أيّامه ". (3)
نزعم أنّ هذا الحكم التّوراتيّ يندرج بين حكميْ " القذف " و " اللعان " في القرآن ففيه من جهة حكم الاتهام بالزنا أي القذف ومن جهة أخرى يكون الزّوج هو القاذف فيكون حكمه التّأديب الذي لم يُذكر نوعه أو مقداره. ثمّ تغريمه و إلزامه بالإبقاء على زوجته أبدا حتّى يكفّر عن الاعتداء الأخلاقي الذي أتاه بحقّها.
? حكم الزّوجة إذا ثبت صدق الزّوج
جاء في نفس السّياق أنّه " إن كان هذا الأمر صحيحا لم توجد عذرة للفتاة. يُخرِجون الفتاة إلى باب بيت أبيها و يرجمها رجال مدينتها بالحجارة حتّى تموت لأنّها عملت قباحة في إسرائيل بزناها في بيت أبيها فتنزع الشرّ من إسرائيل ". (4)
(1) - انظر: نائلة السّلّيني: " تاريخيّة التفسير القرآني "، ج 1 ص ص 43 - 45 - 163 - 174.
(2) - معلوم أنّ الكتاب المقدّس لم يقتصر على سنّ العقوبات الدّنيويّة العاجلة للزّناة و إنّما توعّدهم أيضا بالعذاب الآجل. كما أنّه اقتصر في موعظات شتّى على التنبيه إلى مغارم الزّنى. و إننا سنقارب ما تعالق منها مع نصوص الأحكام القرآنيّة ثمّ الفقهيّة بوشيجة ما.
(3) - الكتاب المقدّس: طبعة دار الكتاب المقدّس في الشرق الأوسط. " سفر التّثنية "، الأصحاح الثاني و العشرون، ص 314.
(4) - نفسه.