وأذكر مرة أننا نفذنا برنامجنا الصباحي ثم تغدينا في مطعم وجلسنا بعد الغداء نشرب القهوة لنستعد لتنفيذ برنامج بعد الظهر، ولكن السماء أمطرت في غزارة، وأحسست حاجتي الشديدة إلى الاستقرار بعد الغداء فلم يسمح لي، وأبى إلا أن يطبق البرنامج بكل دقة، فكنا نمشي في المطر الشديد لنصل إلى حيث نريد طبقا للبرنامج، وقد أتخمت من هذه الأيام العشرة بالمعلومات والمناظر والمعارض والأحداث حتى لكأنني أشاهد رواية سينمائية دام شريطها عشرة أيام واحتجت إلى سنين بعدها أهضم ما أتخمت به؛ ثم ودعت صديقي ذاهبا إلى إنجلترا.
وأبرق إلي صديق لي
1
يعد لي مسكنا في لندن ويستقبلني في محطتها، ويصل القطار إلى كاليه، وأعبر بحر المانش إلى دوفر، وأركب القطار إلى لندن فيستقبلني صديقي ويريني مسكني فيها؛ حجرة واسعة لطيفة فيها سرير، مفروشة فرشا بسيطا لطيفا في بيت من بيوت الطبقة الوسطى وفي حي كذلك، وتعد صاحبته ما أحتاجه من فطور وعشاء أما الغداء ففي المطعم، وأتعرف في المنزل بفتاة إنجليزية من أصل ألماني سألتها أن تصحبني في الخروج إلى معالم لندن ومشاهدها فقبلت، فزرنا المتحف البريطاني، واستعرضت فيه بعض المخطوطات، ودار بلدية لندن «جولد هول» وبنك إنجلترا وبرلمانها؛ ومسلة كليوبترة، وجريدة التيمس وميدان الطرف الأغر وتمثال نلسن وكنيسة «وستمنسر أبي» وجامعة لندن وقصر سنت جيمس وحديقة هايد بارك والمتحف الحربي إلخ.. وكنت في لندن أشعر ببعض الحرية وبعض الاستقلال، لمعرفتي اللغة الإنجليزية وقدرتي على التفاهم بها، على عكس ما كنت في فرنسا، إذا كنت عالة على صديقي لا أكاد أستطيع الحركة إلا معه، فإذا تخلى عني لم يكن أمامي إلا الجلوس في قهوة، أو السير في شارع من شوارعها الفسيحة كما يسير الأصم الأبكم؛ والمسافر من فرنسا إلى إنجلترا يشعر بالفرق الكبير، حين يطأ أول أرض إنجليزية؛ فمن ساعة أن يتلقاه الحمالون الإنجليز ليحملوا أمتعته ويوصلوه إلى القطار يشعر بالهدوء التام والنظام الشامل وسير الأعمال فيها كأنها آلة دقيقة منظمة كل جزء منها منسجم مع ما حوله.
وأحببت أن أزور الريف الإنجليزي فرتب صديقاي الأستاذ حافظ وهبة وزير المملكة العربية السعودية في لندن والمرحوم الأستاذ أمين جمال الدين مدير البعثات في لندن رحلة إلى ويلز في عربة الأستاذ حافظ يسوقها الأستاذ جمال الدين، فكانت رحلة ممتعة عرفنا فيها الريف الإنجليزي، وكنا نسير على مهل، فإذا جاء وقت الغداء تغدينا في مطعم في الطريق، وإذا جاء المساء بحثنا عن بيت في الريف لقروي يضيفنا، ومازلنا في رحلتنا حتى وصلنا إلى كارنارفون فأقمنا فيها أياما.
وأقمت في إنجلترا نحو أربعين يوما، اهتممت فيها أن أرى أكثر ما يمكن أن أرى، وأتعرف من أحوالها الاجتماعية بقدر ما أستطيع، ولكن شيئا واحدا أسفت له أشد الأسف، وهو أني كنت حضرت بحثي الذي اعتزمت إلقاءه في مؤتمر المستشرقين باللغة العربية، وقد قيل لي بعد إن لغة الإلقاء لا بد أن تكون بالإنجليزية أو الفرنسية، فشغلت نفسي وأنا في لندن بالاستعانة بمترجم إلى الإنجليزية، وبكتابة ذلك على الآلة الكاتبة، فاستغرق مني ذلك مجهودا كبيرا وأضاع على زمنا كان يجب أن أصرفه في معرفة الحياة الإنجليزية في نواحيها المختلفة، والاستمتاع بمناظرها ومباهجها، وأخيرا سافرت إلى ليدن بهولنده حيث ينعقد المؤتمر.
رأينا ليدن وكأنها دير كبير يتعبد فيه رجال العلم، تموج بالعلماء والمكاتب وفيها مطبعة بريل الشهيرة التي كان لها الفضل الكبير في طبع كثير من الكتب العربية، وكنا قد كتبنا إلى سكرتارية المؤتمر بحجز أمكنة لنا، فلما رأيناها لم تعجبنا كثيرا لأنها كانت أشبه بمساكن الطلبة، ففضلنا أن نسكن في لاهاي وننتقل كل يوم إلى ليدن، وكان يصحبني في هذه الرحلة الدكتور إبراهيم بيومي مدكور الذي آنسني بمصاحبته، وخفف عني بعض أعبائها، فجزاه الله خيرا.