وكان يوما أيوم، يوم «سر من رأى» وقد شاء الله أن تكون «سيء من رأى» ذلك أننا اعتزمنا زيارة سامراء، وقد قيل لنا إن المسافة بين بغداد «وسامرا» نحو ساعتين، فقدرنا أن نزورها ثم نعود ونتناول الإفطار على مائدة قنصل مصر في العراق، ولكن ساء سير السيارات فلم نصلها إلا قبيل الغروب، وأبرقنا إلى قنصل مصر أن يجعل إفطارنا سحورا، ومررنا في الطريق على قنوات معطلة، وأرض زراعية فسيحة مخربة. وآثار عمران عظيمة مهدمة، وعبرنا نهر دجلة إلى «سامرا» ورأيناها وأطلالها القديمة، وشاهدنا جامع المعتصم فيها، وقد بني على نمط جامع ابن طولون بمصر وبخاصة منارته، وشاهدنا بعض آثارها الباقية، فلما حاولنا الرجوع وقد أظلم الليل، قيل لنا إن ذلك مستحيل، لأن الطريق غير مأمون فألححنا على رئيس البلدية فقبل وأرسل معنا سيارة مسلحة تخفرنا.
وحدث أن أراد طالب معنا أن يعبر الجسر المقام على دجلة فسقط بين المركبين، فبعثت من أنقذه وكانت الدنيا شتاء والبرد قارسا؛ فأخرجناه والحمد لله سليما، وغيرنا له ملابسه المبلولة، وأشعلنا له نارا تدفئه، وعلى هذه الحال انتهت الحادثة.
1
وكنا كلما سرنا مسافة ارتطمت سيارة في الوحل فتعطلنا حتى ننقذها ونصلحها، وسمعنا في الطريق أن لصوصا قد سطوا على قوم يمرون أمامنا، فدخلنا الرعب، ووصل الخبر إلى بغداد بأن السطو حدث علينا نحن في الطريق، فخرج مدير شرطة بغداد ببعض الجنود لاستطلاع الخبر وإنجادنا فلقيناهم في الطريق، ولم نصل إلى بغداد إلا بعد الفجر، وفاتنا الفطور والسحور، وكان يوما خالد الذكر في حياتنا لا ننساه، لما رأينا من بلواه.
ويوما قررنا السفر إلى الموصل ووصلنا بالقطار إلى كركوك وبتنا فيها ورأينا منابع البترول وكيف تحفر الآبار، وعاقنا المطر الغزير عن متابعة السير إلى الموصل فعدنا من كركوك إلى بغداد وودعنا أهلها وأخذنا طريقنا إلى تدمر، فجسنا خلالها ورأينا قبورها وآثارها، ووقفنا على أطلالها، ولفت أنظارنا جمال أهلها، وذكرنا الزباء وما قال العرب والإفرنج عنها، وبتنا فيها ليلة، ثم قفلنا إلى دمشق ومنها إلى بيروت مخترقين جبال لبنان العالية وحولنا الثلج، وعدنا إلى مصر سالمين. وقد انطبعت في نفوسنا صور شتي من صور العالم العربي فلسطين وسورية والعراق ولبنان - كلها بلاد تتقارب في الحياة الاجتماعية وتقف على درجات من سلم واحد، فكلها تتوزع مزايا الشرق وعيوبه، هذه مصر تتقدم الجميع في مظاهر المدنية والحضارة والثروة، وهذا لبنان يمتاز بجد أهله ونشاطهم وثقافتهم وتقدم المرأة عندهم، وهذه الشام تمتاز بالنشاط والنجاح التجاري الذي عرف فيهم من عهد الآراميين، وهذا العراق يشعر بثقل الدين القديم، فينهض أهله، وبخاصة شبانه بتأسيس نهضة جديدة تستغل فيها موارد البلاد معيبة بالبطء الحكومي في تصريف الشئون، وضعف الابتكار، والحاجة إلى الأجنبي النزيه في رسم الخطط للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، وكلها معيبة في نظام الحكم وعدم رعاية حقوق الشعب، وقلة شعور الشعب بحقوقه وواجباته وإن اختلفت درجاتها في ذلك، ولكل أمة من هؤلاء مشاكلها. فمشكلة لبنان انقسام أهله إلى مسلمين ومسيحيين، واختلاف نزعاتهم بين ميل إلى فرنسا وكره لها، ومشكلة القدس الخلاف بين زعمائه وأحزابه على الغلبة والرياسة، مع أن الصهيونية تنخر في عظامهم، ومشكلة العراق تقسم أهله بين سنية وشيعة وبدو وحضر، وهكذا رأيت كل هذه المناظر واختزنتها في نفسي وأثرت في تفكيري.
وسافرت إلى الحجاز للحج سنة 1937 مع بعثة الجامعة المصرية، ولا أطيل في وصف الطريق والمراحل التي يقطعها الحاج، فقد ذكرت كثيرا قبل، وكل ما أريد ذكره أن عادة الحجاج أن يغمرهم الشعور الديني، فلا يشعروا بما تحملوا من متاعب، ولا بما صادفوا في الطريق من عقبات، ولا ما شاهدوا من فوضى وعدم نظام ونحو ذلك، أو يشعرون بها ولكن يحملهم الورع الديني ألا يفوهوا بها، ولا ينطقوا إلا بما رأوا من محاسن، أما أنا فقد غمرني أيضا الشعور الديني وكان في الحج مواقف اهتز لها قلبي ودمعت لها عيني، وأروعها - على ما أذكر - مشاهدة الكعبة وطوافي طواف الناس حولها، ثم وقوفي بعرفات وعشرات الآلاف من الحجاج يلبسون لباسا أبيض بسيطا كأنهم تجردوا من الدنيا ونعيمها وطرحوا زخارفها. ووجهوا قلوبهم كلها إلى خالقهم يبتهلون إليه أن يغفر لهم ما تقدم من ذنبهم، وأن يعينهم على حياة جديدة ملؤها الطاعة والتقوى، ثم زيارتي للحرم المدني في المدينة ووقوفي أمام قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، أستحضر تاريخه ومواقفه وعظمته، فكل هذه المواقف كانت جميلة حقا رائعة حقا.