| الفصل الثامن عشر
ثم إن لهذه المرحلة تكملة. فقد كانت السنة سنة 1914 وقد تخرج من مدرسة المعلمين العليا بضعة من خيار الطلبة عرفوا بالتفوق في العلم والخلق؛ كان أكثرهم مرشحا للبعثة إلى إنجلترا ثم منعهم قيام الحرب، وكان بعضهم من القسم العلمي وبعضهم من القسم الأدبي،
1
شاءت الظروف السعيدة أن أتعرف بهم وأن أصادقهم، رأيتهم مثقفين من غير جنس ثقافتي، ثقافتهم عصرية بحتة، وثقافتي شرعية كثيرا وعصرية قليلا، منهم الذي بلغ درجة جيدة في الجغرافيا والتاريخ العام والأدب الإنجليزي، ومنهم من بلغ هذه الدرجة في الرياضة والطبيعة والكيمياء، وكلهم يعرف من الدنيا الجديدة والمدنية الحديثة أكثر مما أعرف، بحكم ثقافتهم وثقافتي، وقد اخترنا قهوة تطل على ميدان عابدين صاحبها لغوي شاعر يتلقفنا إذا حضرنا ليعرض علينا رأيه في كلمة اكتشف أنها غير صحيحة لأنها لم ترد في معاجم اللغة، أو ليسمعنا قصيدة من نظمه يحملنا على الإعجاب بها ولو من باب المجاملة. على كل حال كان يجتمع هؤلاء الصحاب في هذه القهوة عصر بعض الأيام فتكون منهم مائدة شهية مختلفة الطعوم متعددة الألوان.
هذا مغرم بالقصص الإنجليزية والمجلات الإنجليزية والمجلات يقرأ منها الكثير، وله ذوق حسن في الاختيار وشهوة قوية في التحدث عما اختار، وتحمس لما يقول وما يعرض، ولا يرضيه إلا أن يتحمس السامعون حماسته ويبتهجوا بما يقول ابتهاجه. وكان يقول إن الاستماع إلى الحديث فن كفن الإلقاء، من الناس من يجيده ومنهم من لا يجيده، وإنما يجيده السامع إذا تجاوب مع القائل في شعوره وعواطفه وانفعالاته، يضحك للحديث المضحك ويبكي للحديث الباكي وتظهر على أسارير وجهه كل هذه الاستجابات. وكان يعتقد في أني أجيد الاستماع فيتحدث إلي بأكثر مما يتحدث به مع غيري. فهو يقول مثلا: «اليوم قرأت قصة في مجلة نيشن
Nation
تتلخص في أن طفلا ربي في قصر كبير له حديقة واسعة ولم ير الدنيا خارج القصر ولم يعلم عنها شيئا حتى شب، ثم رأى الدنيا خارج القصر دفعة واحدة من غير تدرج. ثم تصف القصة أثر مناظر الدنيا فيه عندما رآها وهو مكتمل العقل، وكيف تختلف عن أثرها في الصبي قد رآها تدريجا وهو قاصر العقل إلخ»... واليوم قرأت رواية لديكنز بديعة لطيفة ميزتها كذا وهو يرمي بها إلى كذا، واليوم قرأت مجلة مضحكة، وللإنجليز طابع في النكت والنوادر غير الطابع المصري، فأكثر نكتهم ملفوف، مبني على الذكاء، والقليل منهم يعتمد على اللعب بالألفاظ؛ ومن خير النكت التي قرأتها اليوم كذا ثم يفيض فيما قرأ منها ونضحك ونضحك ونتبعها أحيانا بالنقد والاستحسان، وكان خفيف الروح في الإلقاء فيعجبنا بنكته ويعجبنا بقصه - ثم كانت له مغامرات شبابية يخصني بذكرها والحديث عنها وألمه منها واستمتاعه بها.
وهذا الآخر هوايته التاريخ، يطيل القراءة فيه ويفتن بأسلوب الأوروبيين في كتابتهم وقدرتهم على التحليل الدقيق ورجوع الجزئيات إلى كلياتها وحريتهم في تقدير الأبطال والاعتداد بشخصيتهم، فقد يهدم بعضهم بطلا أجمع الناس على بطولته، أو يشيد بذكر مغمور أجمع الناس على خموله، وينقد كتابة التاريخ عند العرب، فقد أحسنوا في رواية الأحداث ولم يحسنوا فلسفتها إلا ما كان من ابن خلدون فقد أحسن في فلسفة التاريخ وقصر في تطبيقها على الأحداث، ثم هو يحاول أن يطبق هذا المذهب فيعرض علينا نمطا من بحثه في عمر وعلي - مثلا - على نمط جديد فيه التقدير وفيه النقد.
وهذا عالم تخصص في الطبيعة والكيمياء وجعل مسلاته الأدب، فهو يقرأ في ديوان أبي الطيب وأبي فراس ويتخير من شعرهما ويحفظه وينشده، وتلتهب عاطفته فيحاول أن يقول شعرا بعضه لا بأس به. وهو فكه النفس لطيف المحضر تأنس لقربه وتستوحش لبعده ، يتحدث فيودع قلبه حديثه. وهذا عالم آخر طبيعي كيماوي أيضا جل علمه ونفسه وكل ما يملكه من ملكات وثقافات لخدمة دينه: أثر في كثير من الطلبة في مدرسته العالية فدينهم، وملأ المساجد به وبهم، قد حفظ القرآن وأطال قراءته وبذل جهدا في فهمه، فهو يفهمه كما يقول المفسرون ويزيد عليهم ما يفهمه من نظريات الطبيعيين والكيماويين وما يقتبسه من أقوال المتدينين من العلماء الأوروبيين، يحلو له الكلام في الدين وهداية الضالين، ويعز عليه أن يسمع إلحادا أو كلمة يشتم منها إلحاد بل لا يسمح أن ينقد أحد أمرا من أمور الدين، ولو كان في التفاصيل، وهو في كل ذلك مخلص لا يقول كلمة بلسانه ينكرها قلبه، قوي الحجة طويل النفس في المناظرة مؤثر إذا قال، جزل الأسلوب إذا كتب. يدرس الكيمياء والطبيعة فتكون دينا؛ ويشرح النظرية الكيماوية فتكون من سنن الله الكونية، يتحرج صحبه أن يذكروا أمامه شيئا يمس شعوره الديني وعاطفته المسلمة، ويهابونه في طربوشه أكثر مما يهابونني في عمتي.