تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد ثلاثة أشهر بينها إجازة شهر جاءني كتاب من محكمة أسيوط الشرعية، يخبرني بنقلي من القضاء إلى مدرس بمدرسة القضاء.

| الفصل السابع عشر

عدت إلى مدرسة القضاء كما كنت، ودرست كما كنت أدرس، أهم دروسي الأخلاق، وبجانبها فقه أو تاريخ أو منطق.

وأحسست ثانية حاجتي الشديدة إلى لغة أجنبية، فدروسي في الأخلاق مصدرها مذكرات عاطف بك التي نقلها عن الإنجليزية، وأنا شيق إلى أن أتوسع فيها، ومن حولي من الأساتذة العصريين يستفيدون أكبر فائدة في مادتهم التي يحضرونها من اللغة الإنجليزية أو الفرنسية، وقد أخفقت في تعلم الفرنسية، فلأجرب حظي في الإنجليزية.

ويوما قابلت صديقي أحمد بك أمين، وجلسنا في مقهى، وذهب الحديث فنونا إلى أن وجدته يقول إنه عثر على كتاب إنجليزي قيم لمستشرق أمريكي اسمه مكدونالد

1

وإنه قسم كتابه إلى ثلاثة أقسام: قسم يتعلق بنظام الحكم في الإسلام، وقسم في تاريخ الفقه الإسلامي، وقسم في المذاهب والعقائد الإسلامية. وأخذ يطري الكتاب ويحكي بعض آرائه، فاستفزني الموضوع وقلت: هل تستطيع الآن أن تذهب معي إلى مدرسة (برليتز) لأرتب دروسا لي في الإنكليزية؟ فقبل، وأقسمت أن أتعلم وأن أقرأ هذا الكتاب في لغته، وذهبنا إلى المدرسة ورتبنا دروسا ثلاثة في الأسبوع بمائة وخمسين قرشا كل شهر.

واشتريت الكتاب الأول، وتولت تعليمي سيدة إنجليزية يظهر عليها أنها فقيرة الحال، تحسن الإنجليزية لأنها إنجليزية، وإن لم تكن مثقفة إلا الثقافة الضرورية. وبذلت في ذلك مجهودا شاقا، أقرأ في البيت وأحفظ في الطريق وأذاكر إذا كنت مراقبا في الامتحان أو مشرفا على حصة ألعاب رياضية؛ والدراسة بهذا الشكل عسيرة إذ لم أكن في فصل يتعاون الطلبة فيه على التعليم، ولم أكن في بيئة تعود سمعي اللغة، ويقول لي الشيخ الخضري؛ لقد جرب هذه التجربة مئات من طلبة دار العلوم، فساروا خطوات ثم وقفوا، ولم ينجح منهم إلا من كان بعثة إلى إنجلترا؛ فقلت له سأجرب كما جربوا ولكن سأنجح إذا فشلوا.

وبعد شهرين في هذا الجهد أحضرت كتيبا صغيرا عنوانه «الإسلام

Islam » للسيد أمير علي، وقلت إن موضوعه معروف لي ومعرفة الموضوع تعين على الفهم. ولكني قرأت الصفحة الأولى فلم أفهم، فظللت أصرف أكثر من ثلاث ساعات في الصفحة، أكشف في المعجم الإنجليزي العربي عن كل كلمة حتى «من» و«عن» وأنا جاد صابر. مكثت على ذلك سنة، أتممت فيها الجزء الأول والثاني من كتب برليتز وبدأت الجزء الثالث في السنة الثانية. وفيه بعض فصول في الأدب الإنجليزي وتاريخه، فأحسست أن هذه المدرسة غير ملمة بتاريخ الأدب وأنها لا تصلح لتدريس هذا الكتاب، فبحثت عن مدرس آخر أو مدرسة أخرى.

ووقفت إلى سيدة إنجليزية كان لها أثر عظيم في عقلي ونفسي.

مس بور (Power)

سيدة في نحو الخامسة والخمسين من عمرها، ضخمة الجسم مستديرة الوجه، يوحي مظهرها بالقوة والسيطرة بسيطة في ملبسها وزينتها. مثقفة ثقافة واسعة، تجيد الإنجليزية والفرنسية والألمانية، ذات رأي تعتد به جريدة التيمس فترحب بمقالاتها، عرفت الدنيا من الكتب ومن الواقع، أقامت في فرنسا سنين وفي ألمانيا سنين وفي أمريكا سنين فكملت تجاربها واتسع أفقها؛ حضرت إلى مصر ووافقها جوها فأقامت فيها ولكن ليس لها من المال ما يكفيها للإقامة الطويلة، فهي تستأجر بيتا خاليا في ميدان الأزهار وتفرش حجراته، وتؤجرها للراغبين فتكسب من ذلك نحو ثلاثين جنيها في الشهر تكون أساس عيشها، ثم هي رسامة فنانة، تأخذ أدواتها إلى سفح الهرم فترسم الصور الزيتية لمنظر الأهرام والفيضان وما يحيط بهما من منظر جميل أو نحو ذلك من مناظر طبيعية جميلة ترسمها بالزيت وتتأنق فيها، وتقضي في رسمها الأيام والأشهر وتبيعها بثمن كبير، ثم هي تدرس الرسم والتصوير لبنات رئيس وزارة،

حياتي · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ٤٢