تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي هذه المدة اتصلت بحزب الأمة الذي تكون بجانب الحزب الوطني، وحزب «الإصلاح على المبادئ الدستورية»، وعلى الأصح اتصلت بجريدته المسماة «بالجريدة» التي كان يرأس تحريرها الأستاذ أحمد لطفي السيد، وكانت حجرته في الجريدة منتدى لجمهرة من الشبان المثقفين، ومن حين لآخر كانت تلقى في فناء الدار محاضرات سياسية يدور حولها الجدل. ولست أنسى يوما كان يحاضر فيه الأستاذ أحمد لطفي السيد، وكان يحضر الحفل عدد كبير من رجال السياسة منهم الشيخ علي يوسف وإبراهيم الهلباوي، فما نشعر إلا وقد أطار جماعة من طالبة الحقوق حماما أعدوه معهم لهذا الوقت تنكيلا بإبراهيم الهلباوي إذ كان محاميا عن الإنجليز في حادثة دنشواي التي كان سببها الحمام، وساد الهرج والمرج، وخيف على الشيخ علي يوسف وإبراهيم الهلباوي من الاعتداء. فحضر البوليس ومكنهم من الخروج آمنين. وقد استفدت من هذا الاتصال شيئا من الثقافة السياسة والاجتماعية بفضل أحاديث أستاذنا لطفي، ومحاضرات المحاضرين والاتصال بنخبة من خيرة المثقفين.

استمررت مدرسا في مدرسة القضاء سنتين. وكانت هناك مشكلة هي أني لم أنجح في الكشف الطبي لقصر النظر، فعينت (ظهورات) حسب اصطلاح المستخدمين، ومعنى هذه الكلمة أن الموظف الذي يعين على هذا الشكل ليس له حق في المعاش عند بلوغه السن. وليست له ضمانات في بقائه في الوظيفة، إذ يكفي إشارة من الرئيس بالاستغناء عنه فيستغنى، أما الموظف الثابت أو على حد تعبيرهم (المثبت) فله الحق في المعاش، ولا يخرج من الخدمة إلا بمجلس تأديب يقرر فصله، وهي ميزات لا يستهان بها، وأنا من طبعي تفضيل التدريس على القضاء ولكن أود لو كنت مدرسا (مثبتا) ففكر عاطف بك حرصا على مصلحتي أن أعين قاضيا لمدة قصيرة - والقاضي يعين بمرسوم، ولا يحتاج من يعين بمرسوم إلى كشف طبي - فإذا عينت قاضيا كنت مثبتا، فإذا انتقلت إلى مدرسة القضاء نقلت (مثبتا) وكذلك كان، ولكن أتت مشكلة أخرى وهي أن مدير المحاكم الشرعية أبي إلا أن يعينني قاضيا في الواحات الخارجة، وهي بلد بعيد يشق انتقالي إليها على أبي وأمي اللذين أصبحا لا يجدان عزاء من فقد أخوي إلا بقائي بينهما، فحاولت ما استطعت وحاول عاطف بك ما استطاع أن يغير الواحات بأي بلد آخر فلم يستطع، فتوكلت على الله وقبلت الوظيفة واستعددت للسفر إلى الواحات.

وقد قضيت فيها ثلاثة أشهر، ولا أدري ما الذي بعثني على أن أدون مذكرات يومية لهذه الرحلة فلأنقل هنا بعضها:

الأربعاء 23 إبريل سنة 1913

اعتزمت السفر إلى الواحات الخارجة، وذهبت إلى المحطة وودعني عدد كبير من طلبة المدرسة ومدرسيها، واعتذر الناظر لارتباطه بموعد آخر، وكان وداعا مؤثرا حقا اختلط فيه شعور الفرح الشديد بالحزن الشديد - فرحت لما رأيت من مظاهر الوفاء والإخلاص، حتى جرى الطلبة مع القطار في بدء تحركه وآثار الحزن بادية على وجوههم، وحزنت لحالة أبي وأمي لفراقهما من غير عائل يعولهما، ووصلت إلى أسيوط في الساعة الثالثة بعد نصف الليل وذهبت إلى أقرب فندق، وفي الصباح سألت عن المحكمة الشرعية فوجدتها في بناء جميل فرش فرشا جميلا، واستقبلني رئيس المحكمة

1

استقبالا حسنا ودعاني للغداء معه، وعرض على في المساء أن يزيرني بعض بيوت الكبراء، وتقابلنا وأزارني بيت الهلالي، وبيت خشبة، وعندما زرنا البيت الثاني وجدنا مدير أسيوط هناك، يحف به كثير من الأعيان، فاستقبلنا استقبالا فاترا، ثم جلس يتحدث والقوم منصتون كأن على رءوسهم الطير، يؤمنون على كل ما يقول ولا يجرؤ أحد أن يخالفه في قوله، وكان موضوع حديثه المقارنة بين أقباط أسيوط ومسلميها، وأن الأقباط أكثر جدا في الحياة وسعيا في طلب الرزق وحرصا على ما يدخل في يدهم من مال وأكثر تعليما لأولادهم، وأكثر قبولا للمدنية الحديثة، وأن المسلمين يجب أن يسيروا سيرهم ويعنوا بأمورهم وهم أولى بذلك.

حياتي · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ٣٧