تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قضيت زماني في هذه المدرسة جدا لا هزل فيه وتعبا لا راحة معه، وكانت المدرسة قاسية عنيفة لا ترفيه فيها؛ فدرس في النهار وتحضير في الليل، حتى أوقات الألعاب الرياضية كنا نؤديها في عنف كأنها أشغال شاقة. فلو طبقت هذه النظم على مدرسة عسكرية لاستجارت منها، ولو طبقت على مدرسة اليوم لقابلها الطلبة كل ساعة بإضراب جديد. وقد صبرت على هذا الدرس فلم أسترح نهارا ولا ليلا، ولا جمعة ولا عيدا، حتى ولا في الإجازة الصيفية، إذ كنت أعكف على الكتب التي قررت للمسابقات فأختار منها وأدرس ما أختار لأمتحن فيه أول العام، وزاد من تعبي ما أصبت به من الغيرة، وكنا اثنين في الفصل كفرسي رهان نتسابق في غير كلل، وكان

5

خيرا مني في العلوم الأزهرية وأنا خير منه في العلوم العصرية، فسبقني في السنتين الأوليين وسبقته في السنتين الأخريين، وكان إذا سبقني حزنت حزنا عميقا، وإذا خلوت إلى نفسي فر الدمع من عيني، فما لقيته من هذا الزميل في السباق كان أشد على نفسي مما لقيته من المدرسة وما فيها من عناء.

لا أذكر أني رفهت عن نفسي إلا أياما كنت أخرج إلى كوبري قصر النيل حتى إذا توسطته وقفت زمنا أستنشق هواءه وأستمتع بمنظره، ثم أسير إلى آخره فأميل ذات اليمين وأمشي بين الأشجار والنخيل والنهر حتى أصل إلى مسجد هناك أصلي فيه المغرب أو العشاء ثم أعود من حيث أتيت.

وأحيانا في ليلة الجمعة كنت أغشى منزل صديقي الشيخ مصطفى عبد الرازق، وكان منزلا يحتفظ بالتقاليد القديمة لبيوت الأسر الكبيرة، يكثر زوارها وتمد موائدها غداء وعشاء، ويطيب فيها السمر، ويطول فيها السهر، فكان أصدقاء الشيخ من الشبان ينفردون بحجرة في البيت يتلاقى فيها شبان الأزهر بشبان الحقوق ببعض الشبان الذين يتعلمون في أوروبا، فتثار المسائل على اختلاف ألوانها دينية وفلسفية وسياسية واجتماعية حيثما اتفق، نتبادل فيه الآراء والأفكار؛ وترى إذ ذاك آراء المحافظين تناطح آراء الأحرار المتمدنين، ومؤيدي السفور ينازعون مؤيدي الحجاب، والوطنيين يثورون على الرجعيين، وهكذا من سمر لذيذ يمتد إلى منتصف الليل فتكون من ذلك متعة عقلية وروحية لطيفة.

ومرتين أو ثلاثا جمعت كل قواي، وحفزت كل همتي وقاومت كل خجلي، فذهبت إلى استماع الغناء في صالة تسمى «ألف ليلة» بالأزبكية من مغنية اسمها «الست توحيدة»، واتخذت كل الوسائل للاختفاء، لأن من رئي وعلمت به المدرسة كان عرضة للتأنيب والعقاب - هذا كان كل ترفيهي، أما ما بقي من وقتي فللدراسة وللمدرسة.

بل زدت نفسي إرهاقا بدراسة أخرى، فقد كانت الجامعة المصرية الأهلية قد ولدت في السنة التي ولدت فيها مدرسة القضاء عقب جدال عنيف في المجالس والصحف، وكان موضوع الجدل غريبا حقا ظريفا حقا: هل من الخير لمصر أن تتوسع في التعليم الأولي فتنشئ الكتاتيب، أو تؤسس التعليم العالي فتنشئ الجامعة، كأنهما ضدان لا يمكن الجمع بينهما؟ ولكنها السياسة الإنجليزية، أرادت أن تصرف الأنظار عن التعليم الجامعي لأنه يخرج قادة الرأي في الأمة، فابتدعت فكرة التعليم الأولي وأولويته، وظلت المناقشة طويلا، وكان اللورد كرومر يؤيد التعليم الأولى ويعارض في إنشاء الجامعة، فأسرع مديرو المديريات ومأمورو المراكز والعمد وأعيان البلاد إلى إنشاء الكتاتيب طوعا لإشارة كبار الإنجليز، وأخيرا تقدم داع

6

يدعو إلى إنشاء الجامعة ويتبرع بخمسمائة جنيه بشرط أن يتبرع عدد كبير بمال كثير، وتحمس بعض الكبراء وعقدوا اجتماعا حضره سعد زغلول وقاسم أمين والشيخ عبد العزيز شاويش ومحمد بك فريد وغيرهم، واكتتبوا بمبلغ من المال لا يزيد عن خمسة آلاف جنيه، وأنشئوا الجماعة واختاروا رئيسها سعد زغلول.

فلما عين ناظرا للمعارف اختير لها الأمير أحمد فؤاد (الملك فؤاد فيما بعد).

حياتي · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ٣٠