ومن ذلك الحين اتصلت بالجرائد أقرؤها، فلما عينت في الإسكندرية كنت أذهب إلى مقهى «عم أحمد الشربتلي» أقرأ فيه اللواء والمؤيد والمقطم، فأرى جريدة اللواء تلهب الشعور الوطني ولا تجاوبها نفسي تبعا لشيخي، والمقطم تقاوم الحركة الوطنية ولم يجاوبها كذلك نفسي، وربما كان المؤيد أحب إلي لصبغته الإسلامية.
ولكن حدث حادث دنشواي.
2
ولست أنسى ليلة - وأنا في الإسكندرية - أقام فيها أحد أصحابنا وليمة عشاء على سطح منزله (وكان ذلك في يوم 27 يونيو سنة 1906) فجاءت الجرائد وفيها الحكم على أربعة من أهالي دنشواي بالإعدام، وعلى اثنين بالأشغال الشاقة المؤبدة، وعلى واحد بالسجن خمس عشرة سنة، وعلى ستة بالسجن سبع سنين، وعلى خمسة أن يجلد كل منهم خمسين جلدة، فتنغص عيشنا وانقلبت الوليمة مأتما، وبكى أكثرنا، ومن ذلك اليوم أصبحت عواطفي مع اللواء لا مع المؤيد ولا مع المقطم.
| الفصل الثاني عشر
بعد سنتين في الإسكندرية، سعى أبي فعينت مدرسا، بمدرسة والدة عباس باشا الأول في أكتوبر سنة 1906 وهي المدرسة التي تعلمت فيها صغيرا، والتي كنت أحن إليها دائما أيامي في الأزهر، وقد تغيبت عنها قريبا من ست سنوات، ففرحت بها فرح الغائب عاد إلى وطنه، بل ورأيت فيها بعض من كانوا من تلامذة معي أيام كنت تلميذا، وبعض أساتذتي الذين علموني، ورأيتها قد اتسعت أبنيتها، وكثرت تلامذتها وأساتذتها، وأعطيت السنة الأولى والثانية لأن أساتذتي وأمثالهم كانوا يحتلون السنة الرابعة، وسرعان ما تجلت قوتي في القواعد دون الإنشاء، ولا أدري السبب في اكتشاف هذا السر، ولكن حدث في آخر العام أن نتيجة المدرسة في الشهادة الابتدائية كانت نتيجة باهرة، فرح بها الناظر فرحا شديدا، وبحث عن أستاذ في اللغة العربية يكتب خطابا إلى إدارة الوقف يخبرها فيها بهذه النتيجة، ويباهي بها غيرها من المدارس، فلم يجد أحدا إلا إياي، فدعاني الناظر وطلب مني أن أكتب هذا الخطاب، ومن حسن حظي أني كنت أحفظ مقدمة دلائل الإعجاز، يباهي فيها بعلم البلاغة وأنه فوق العلوم كلها، فسرقت الأسلوب، وباهيت بالمدرسة وفضلها على سائر المدارس على نمطه، وحججه، فسر منه الناظر كثيرا، ورد إلي اعتباري في الإنشاء أيضا.
في هذا العام أثناء الدراسة مرضت بحمي التيفود مرضا شديدا، حتى أشرفت على الهلاك، ولم يكن هناك عناية بالمرضى، كما يعنى اليوم، ولا يرضى الأهالي عن إرسال المريض إلى مستشفى الحميات كما يرسل اليوم، ولا عزل له عن سائر من في البيت حتى لا تنتشر العدوى، ولا استدعاء طبيب مختص يشرف إشرافا دائما على العلاج - لا شيء من ذلك - ولكن فرشت لي حشية على الحصير، في وسط الغرفة كما كنت أنام، وترك أمري لله، فلم يدع أهلي طبيبا، وكل ما في الأمر أن نفسي عافت الأكل فتركته. ومن حين لأخر تأتي عجائز الحارة فتصف لأمي وصفات بلدية للشفاء من المرض، فأقبلها حينا، وأرفضها أحيانا، ويزورني أبي قبل خروجه إلى عمله، فيجلس على رأسي ويضع يده على جبهتي، ويقرأ الفاتحة، وآية الكرسي، والمعوذتين، ويختم ذلك بقوله: «حصنتك بالحي القيوم الذي لا يموت أبدا، ودفعت عنك السوء بألف ألف لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». ثم ينفث في وجهي، وإذا عاد من عمله في المساء كرر هذا الدعاء. ونجوت منها بأعجوبة، بعد أن كان الموت أقرب إلي من حبل الوريد، ومكثت بعد ذلك مدة طويلة في دور النقاهة.
لم أمكث في هذه المدرسة إلا سنة، وفي سنة 1907 تقرر فتح مدرسة القضاء الشرعي، وكان الغرض منها تخريج قضاة شرعيين مكان الذين عمت منهم الشكوى. وكان قد عهد إلى الشيخ محمد عبده بالتفتيش على المحاكم الشرعية وفحص عيوبها، فقام بذلك خير قيام، وكتب تقريرا عظيما، يبين فيه هذه العيوب، ويقترح وجوه الإصلاح، وعلى أثر ذلك فكرت نظارة الحقانية في إنشاء مدرسة، واحتضن فكرتها سعد باشا زغلول، إذ كان ناظرا للمعارف، وأمينا على أفكار الشيخ محمد عبده. وكان الخديو عباس كارها لهذا المشروع أشد الكره، معارضا فيه أشد المعارضة: لأنه يسلب الأزهر أعز شيء لديه، وهو الإعداد للقضاء الشرعي، وقد سلب من قبل إعداد مدرسي اللغة العربية بإنشاء دار العلوم - والأزهر وديوان الأوقاف هما المصلحتان اللتان أطلقت فيهما يد الخديوي، ولم تمسسهما يد الإنجليز، فقوتهما قوة له، وضعفهما ضعف له. ولأن فكرة مدرسة القضاء نبعت في فكر الشيخ محمد عبده، واحتضنها صديقه سعد زغلول، وهو يكرههما في أعماق قلبه، من أجل ذلك حارب المشروع. ولكن دعي مجلس النظارة للاجتماع يوم 25 فبراير 1907 ورأسه الخديو، فعارض الخديو في المجلس وأبدى اعتراضاته على المشروع، واقترح إرجاء النظر فيه فعارض سعد باشا، ودافع عن الفكرة، وتحمس لها تحمس المحامي القدير الذي يؤمن بعدل قضيته، ثم أخذ الرأي، فانضم جميع النظار إلى سعد باشا، ما عدا ناظر الأشغال، فلم يسع الخديو إلا أن يوافق على رأيهم ويمضي القانون.. ولم نعرف سابقة لمثل هذا الحادث يخالف فيها أكثر النظار الخديو، فينزل عن رأيه لرأيهم، ولذلك صمم - بعد - ألا يحضر جلسات مجلس النظار، حتى تكون له الحرية في قبول ما يقبل، ورفض ما يرفض. ومن أجل هذا ظل الخديو يحارب مدرسة القضاء ما استطاع.