تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نجحت نجاحا كبيرا، وأحسست بالتفوق على زملائي في الأزهر، حتى طلب إلي بعضهم أن أقرأ لهم شرح ابن عقيل في مسجد المؤيد في بعض أوقات الفراغ ففعلت، وصادقت بعض الإخوان ممن لهم ذوق أدبي، فكنا نجتمع في أحد المساجد نحفظ مختارات من مقامات بديع الزمان ورسائله، وأمالي القالي، وأمثال الميداني، ودلنا أحدهم على كتاب ظهر للشيخ إبراهيم اليازجي اسمه «نجعة الرائد»، يذكر فيه أحسن ما قالته العرب في الموضوع الواحد، فأحسن ما قيل في الشجاعة والجبن، والكرم والبخل، والحلم والغضب إلخ. فاشتريناه وأخذنا أنفسنا بالحفظ منه. وظللت مع ذلك غير مرتاح لبقائي في الأزهر، ورأيت بعض زملائي يقدمون طلبا للدخول في مدرسة دار العلوم، فقدمت مثلهم، ورأيت الأمر سهلا علي؛ فهم يمتحنون في حفظ القرآن وأنا أحفظه، ويمتحنون في حفظ الألفية وفهمها وأنا أحفظها وأفهمها وحلمت إذ ذاك بمدرسة نظامية واضحة الحدود واضحة المعالم، مفهومة الغاية، يدخل فيها الطالب فيقضي أربع سنوات يتعلم فيها على خير الأساتذة، ثم يخرج مدرسا في المدارس الأميرية. ولكن قبل الامتحان لابد من الكشف الطبي وأنا قصير النظر، هذه هي العقدة..

ذهبت إلى أكبر طبيب إنجليزي فكشف على عيني، وكتب لي أضخم نظارة قانونية تناسب نظري، ومع ذلك تقدمت للامتحان فسقطت، وحز في نفسي أن أرى زملائي ينجحون ولا أنجح، ويدخلون المدرسة ولا أدخل، ثم عدت إلى الأزهر.

| الفصل الحادي عشر

عاد الشيطان فوسوس إلى ثانية، فقد اطلعت في إحدى الجرائد على إعلان وزارة المعارف تطلب فيه مدرسين للغة العربية، يدرسون في مدارسها بأربعة جنيهات شهريا. فتقدمت للامتحان، وامتحنت تحريريا وشفويا ونجحت وكان نصيبي هذه المرة مدرسة تابعة لأوقاف أهلية وخاضعة لتفتيش وزارة المعارف، هي مدرسة راتب باشا بالإسكندرية، ولم يكن اسم الإسكندرية مرعبا كطنطا، فقد كبرت وصرت في الثامنة عشرة من عمري، وتعودت ركوب القطار بذهابي إلى طنطا، ومع ذلك لذعني السفر، وصرف أبي مجهودا جبارا في تعييني في مصر بدل الإسكندرية فلم يوفق فسافرت ورأيت البحر أول مرة فسحرني وصرت آنس به، وأجلس إليه وأتأمل في أمواجه. فأنسى لوعة غربتي، وحببت إلي القراءة في المكان الخالي على شاطئه. هناك قرأت بعض كتب الغزالي فشعرت بنزعة صوفية، وحفظت كثيرا من نهج البلاغة إعجابا بقوة أسلوبه، وقرأت كتاب أشهر مشاهير الإسلام لرفيق بك العظم فتحمست لأبطال الإسلام وأعجبت منه بتحليل شخصياتهم، وفلسفة الحوادث في أيامهم.

واستأجرت حجرة في بيت بالقرب من مسجد البوصيري أودعتها فراشي وملابسي وكتبي ودراهمي. فعدت يوما من المدرسة فوجدتها قاعا صفصفا، خالية كيوم استأجرتها. فاتفقت مع مدرس في مدرسة أخرى أن نستأجر شقة معا في غرفتين في بيت عليه بواب، وكان صاحبي هذا كهلا، نحيف الجسم أصفر الوجه، ملتحيا، متدينا في تزمت، يتوضأ فيطيل الوضوء؛ ويصلي فيطيل الصلاة : ويقضي أوقاتا طويلة في قراءة الأوراد وحضور الأذكار، يصطحب دائما كتاب «شذا العرف» في فن الصرف، يقرأ فيه في حجرته، ويتأبطه عند خروجه، وظل على هذه الحال السنتين اللتين أقمتها معه، لا هو يتم الكتاب ولا هو يتركه، مع أنه كتاب صغير يقرأ في يومين أو ثلاثة.

ولكن أعظم ما كسبته في الإسكندرية، تعرفي بشخصية قوية، كان لها أثر كبير في نفسي - كتب إليه قريب لي بوصية بي خيرا - كان أستاذا للغة العربية في مدرسة رأس التين الثانوية،

1

تخرج في دار العلوم، وكنت في الثامنة عشرة وكان في نحو الثانية والأربعين، وكان طويل القامة، معتدل الجسم، جميل الوجه، ذا لحية سوداء، نظيفا في ملبسه، أنيقا في شكله من غير تكلف، اتصلت به فأعجبني من أول نظرة، واتخذني أخا صغيرا واتخذته أخا كبيرا، وكان متدينا، بل كان صوفيا، يعتنق طريقة النقشبندية، وهي طريقة ليس لها شعائر، ولا تقاليد ظاهرة للناس. فالنقشبندي إذا ذكر الله، ذكره بقلبه لا بلسانه، وأول دروسها رسم اسم الله بنور على القلب، ورفع اللسان إلى الحلق حتى لا يتحرك، ولم أعرف تصوفه إلا بعد مدة طويلة من معاشرته، وكان - مع تصوفه هذا - واسع الأفق حر الفكر، لا يدين بشيء من الخرافات والأوهام، ويؤيد الشيخ محمد عبده في دعوته إلى الإصلاح، وكان في مدرسته محبوبا محترما، يجله زملاؤه ورؤساؤه وتلاميذه أبي النفس عزوفا عن الصغائر يعتمد في دروسه مع تلاميذه على الحب لا على الإرهاب، ويترك لهم الحرية في الحديث والنقد إلى درجة تشبه الفوضى، ولم يكن في درسه مدرس لغة عربية فحسب، بل مدرس تفكير ونقد للمجتمع، وما شئت من شئون الحياة، حتى كان تلاميذه يسمونه الشيخ الإنجليزي، لترفعه وحريته وصدق قوله وسعة فكره.

حياتي · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ٢٣