تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم رأيت المعاملات الاقتصادية بين أهل الحارة وأهل السوق، والشعائر الدينية تقام في المسجد، والحمامات يستحم فيها الرجال والنساء، كل ذلك كان دروسا عملية وتجارب قيمة لا يستهان بها، فإذا أنا قارنت بين نفسي في تجاربي هذه التي استفدتها من حارتي، وأولادي في مثل سني التي أتحدث عنها وقد ربوا تربية أخرى، فلا جيران يعرفون، ولا بأهل حارة يتصلون، ولا مثل هذه العلاقات التي ذكرتها يشاهدون؛ أدركت الفرق الكبير بين تربيتنا وتربيتهم، وكثرة تجاربنا وقلة تجاربهم، ومعجم لغتنا ومعجم لغتهم، ومعرفتنا بصميم شعبنا وجهلهم.

| الفصل السابع

أما المدرسة الثالثة فكانت الكتاب. وقد كان في ذلك العصر كتاتيب ومدارس ابتدائية وثانوية قليلة، راقية بعض الرقي. ولكن هذه الكتاتيب الراقية كانت بعيدة عن بيتي، فاختار لي أبي أقرب كتاب، يكاد يكون على باب حارتي، هي حجرة متصلة بالمسجد

1

وبجانبها دورة مياهه، وأثاث هذه الحجرة حصير كبير بال، قد انسلت منه بعض عيدانه، وزير فيه ماء يكاد يسود من الوسخ، عليه غطاء من الخشب، قد ثبت في الغطاء حبل طويل ربط فيه كوز ليستقي منه الشارب ويتناول الكوز ليشرب منه النظيف والقذر والمريض والصحيح، وصندوق صغير من صناديق الجاز وضعت فيه ألواح بعضها صفيح قد صدئ وبعضها خشب قد زال طلاؤه. كتب عليها بعض آيات القرآن بالحبر الأسود فلا تكاد ترى، وشيخ قد لبس العمامة وقباء من غير جبة وبيده عصا طويلة، ومسمار كبير في الحائط علقت فيه «الفلقة» وهي عصا غليظة تزيد قليلا عن المتر، ثقب فيها ثقبان ثبت فيهما حبل، فإذا أراد سيدنا ضرب ولد أدخلت رجلاه في هذا الحبل ولويت عليهما الخشبة، فلا تستطيع القدمان حركة، ونزل عليهما سيدنا بالعصا. ثم عود من الجريد طويل يستطيع سيدنا أن يضرب به أقصى ولد في الحجرة، وهذا كل أثاث الكتاب - نذهب إليه صباحا، ونجلس على هذا الحصير متربعين متلاصقين، ويأخذ كل منا لوحه من الصندوق، وكان لوحي جديدا، إذ كنت مبتدئا، وكان لسيدنا عريف يساعده في كتابة الألواح للأطفال ويقوم مقامه إذا غاب كما يساعده في مد رجل الطفل في الفلقة عند الحاجة، ويقرأ كل تلميذ في لوحه حسب تعلمه، هذا يقرأ ألف باء وهذا سورة الفاتحة وهذا سورة تبارك وهكذا. فإذا فرغنا من قراءة الدرس الجديد استمع لنا الماضي وهو ما حفظناه من القرآن في الدروس، فإذا جاء وقت الغداء أخذ سيدنا من كل ولد قرشا أو نصف قرش أو مليما حسب مقدرته، وبعث سيدنا العريف فأحضر له ماجورين أخضرين: في أحدهما فول نابت ومرقة وفي الآخر مخلل ومرقة. والتف التلاميذ حولهما بعد أن أحضروا خبزهم الذي جاءوا به من بيوتهم، وأخذت أيديهم تغوص باللقمة في مرقة الفول أحيانا وفي مرقة المخلل أحيانا. ولا بأس أن يكون في الأولاد مريض وصحيح وقذر ونظيف وملوث وغير ملوث. فعلى الله الاتكال، والبركة تمنع من العدوى. وإذا قرأنا وجب أن نهتز وأن نصيح، فمن لم يهتز أو لم يصح لم يشعر إلا والعصا تنزل عليه فيصرخ ويصيح بالقراءة والبكاء معا، ونبقى على هذه الحال إلى قرب العصر فنخرج إلى بيوتنا؛ ومن حين لآخر يمر أبو الطفل على سيدنا فيسأله عن ابنه ويطلب منه أن «ينفض له الفروة»، وهذا اصطلاح بين الآباء وفقهاء الكتاب أن يشتدوا على الطفل ويضربوه، فلا تعجب بعد ذلك إذا وجدت أرواحا ميتة ونفوسا كسيرة. ومن أجل هذا كان أكره شيء علينا الكتاب واسم الكتاب وسيدنا؛ بل أذكر مرة أني كنت في البيت آكل مع أمي وإخوتي، فما أشعر إلا وقد انتفضت من غير وعي، لتوهمي أن عصا سيدنا نزلت علي لأني لم أهتز، وكان أكره ما أكره يوم السبت صباحا عند الذهاب إلى الكتاب، وأحب ما أحب يوم الخميس ظهرا لأنه سيلحقه يوم الجمعة وفيه لا كتاب.

وختمت في هذا الكتاب ألف باء على طريقة عقيمة جدا، فأول درس كان ألف (ألف لام فاء) وهو درس حفظته ولم أفهمه إلا وأنا في سن العشرين، إذ كان معنى ذلك أن كلمة الألف مركبة من ألف ولام وفاء، من أجل ذلك كرهت هذا الكتاب وهذا التعليم وسيدنا، وتنقلت في أربعة كتاتيب من هذا القبيل كلها على هذه الصورة، لا تختلف إلا في أن الحجرة واسعة أو ضيقة، وأن سيدنا لين أو شديد. وأنه أعمى العينين أو مفتوح العينين، أما أسلوب التعليم فواحد في الجميع.

حياتي · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ١٣