وبعد ذلك حدثت لي حادثة ثالثة، فقد مر بحارتنا قبيل الغروب سائل يستجدي بالفن؛ فمعه دف يوقع عليه توقيعا لطيفا وينشد مع التوقيع قصائد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينوع النغمات حسب القصائد، ويناغم بين القصيدة والضرب على الدف. أعجبني هذا وطربت له فتبعته، وخرج من حارتنا إلى حارة أخرى فكنت معه حتى أتم دورته، وإذا نحن بعد العشاء وأبي ينتظرني لتأخري، فلما دخلت البيت أخذ يضربني من غير سؤال ولا جواب - ولو كان أبي فنانا لقبلني لأنه كان يكتشف في أذنا موسيقية وعاطفة قوية، ولكنه لم ينظر في الموضوع إلا أني تأخرت عن حضور البيت بعد غروب الشمس.
| الفصل السادس
وكانت المدرسة الثانية هي «حارتي» فقد لعبت مع أبنائها وتعلمت منهم مبادئ السلوك، وتبادلت معهم عواطف الحب والكره، والعطف والانتقام، والألفاظ الرقيقة وألفاظ السباب - وانطبعت منها في ذهني أول صورة للحياة المصرية الصميمة في سلوكها وأخلاقها وعقائدها وخرافاتها وأوهامها ومآتمها وأفراحها وزواجها وطلاقها إلى غير ذلك - وكانت حارتنا مثالا للأسر في القرون الوسطى قبل أن تغزوها المدنية بماديتها ومعانيها - فقد ولدت عقب الاحتلال الإنجليزي بنحو أربع سنوات، ولم يكن الفرنج قد بثوا مدنيتهم إلا في أوساط قليلة من الشعب، هي أوساط بعض من يحتك بهم من الأرستقراطيين وأشباههم. أما الشعب نفسه - وخاصة الأحياء الوطنية كحينا - فلم يأخذ بحظ وافر منها، فحارتنا ليس فيها من يتكلم كلمة أجنبية، بل ليس فيها من يلبس البدلة والطربوش إلا عددا قليلا جدا من الموظفين. وليس في بيوتها أثر من وسائل الترف التي أنتجتها المدنية الحديثة. وليس فيها من يقرأ كتابا حديثا مترجما أو مكتوبا بالأسلوب الحديث. ومن يقرأ منهم فإنما يقرأ القرآن والحديث والقصص القديمة كألف ليلة وعنترة، أو الكتب الأدبية الخفيفة، ككليلة ودمنة، والمستطرف في كل فن مستظرف.
ولم تكن قد سادت النزعة الأوربية التي لا تقدر الجوار فيسكن الرجل منهم بجوار صاحبه السنين ولا يعرف من هو بل قد يسكن معه في بيت واحد أو في شقة بجانب شقته ولا يكلف نفسه مئونة التعرف به والسؤال عن حاله، إنما كانت تسود النزعة العربية التي تعد الجار ذا شأن كبير في الحياة، فكان أهل حارتنا كلهم جيرانا يعرف كل منهم شئون الآخرين وأسماءهم وأعمالهم، ويعود بعضهم بعضا عند المرض، ويعزونهم في المآتم ويشاركونهم في الأفراح، ويقرضونهم عند الحاجة ويتزاورون في «المناظر» فكل بيت من طبقة الأوساط كانت فيه حجرة بالدور الأرضي أعدت لاستقبال الزائرين تسمى «المنظرة» وينطقونها بالضاد، ويتبادل في هذه «المناظر» أهل الحارات الزيارات والسمر.
كانت حارتنا تشمل نحو ثلاثين بيتا، يغلق عليها في الليل باب ضخم كبير في وسطه باب صغير وراءه بواب، وهذا الباب بقية من العهد القديم، يحميها من اللصوص ومن ثورات الرعاع وهياج الجنود، فإذا حدث شيء من ذاك أغلق الباب وحرسه البواب، فلما استقر الأمن وسادت الطمأنينة استمر فتح الباب واستغني عن البواب.
وتمثل هذه البيوت طبقات الشعب، فكان من هذه الثلاثين بيتا بيت واحد من الطبقة العليا، ونحو عشرة من الطبقة الوسطى ونحو عشرين من الطبقة الدنيا.
فالغني من الطبقة العليا كان شيخا معمما، يدل مظهره على أنه من أصل تركي، وجهه أبيض مشرب بحمرة، طويل عريض وقور، ذو لحية بيضاء، مهيب الطلعة له عربة بجوادين، يدقان بأرجلهما فتدق معها قلوب أهل الحارة، هو نائب المحكمة العليا الشرعية وسيد الحارة، إذا حضر من عمله تأدب أهلها، فلا ترفع نساء الطبقة الدنيا أصواتهن، وإذا جلس في فناء بيته تأدب الداخل والخارج، وإذا تجرأت امرأة على رفع صوتها أتى خادمه الأسود فأحضرها أمام الشيخ وزجرها زجرة لم تعد لمثلها، وعلى ألسنتنا نحن الأطفال: الشيخ جاء، الشيخ خرج، وبيته الواسع الكبير لا يشمل إلا سيدة تركية، وخدما من الجواري السود اللاتي كن مملوكات وعبيدا سودا - فقد كان في القاهرة أسواق وبيوت لبيع الجواري البيض والسود، يذهب من أراد الشراء فيقلب العبد أو الجارية ويكشف عن جسدها ليرى إن كان هناك عيب، ثم يساوم في ثمن من أعجبه فيشتريه ويكون له ملكا. وظل هذا الحال إلى عهد إسماعيل، فتدخلت الدول الأوربية ووضعت معاهدة لإلغاء الرقيق وأعتق كل مالك رقيقه، ومع ذلك بقي كثير من العبيد والجواري في بيوت أسيادهم للخدمة ونحوها - وكان يشاع فيما بيننا أن الشيخ يملك ذهبا كثيرا، وأنه يضعه في خزائن حديدية، وأنه يضع كل جملة من الجنيهات في صرة، وأن له يوما في السنة يفرغ فيه هذا الذهب في طسوت مملوءة بالماء ثم يغسله بالماء والصابون ثم يعده ويعيده، وكان بخيلا مع أنه لم يرزق ولدا، فلم يسمع عنه أنه ساعد أحدا من أهل الحارة بشيء. ولما جاوز السبعين ماتت زوجته فتزوج شابة لعبت بماله وغير ماله، وكثيرا ما يجتمع في منظرته أبي وبعض أهل العلم يتدارسون المسائل الفقهية. وفي يوم المحمل أو الاحتفال بالمولد النبوي يلبس الشيخ «فرجية» مقصبة مذهبة ويركب بغلة ويذهب بها إلى مكان الاحتفال، وعلى الجملة فكان المستبد في حارتنا كاستبداد أبي في بيتنا، واستبداد الحكام في مصالح الحكومة.