تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل الرابع

| العدالة الاجتماعية

(1) العدالة الاجتماعية

في برنامج اليسار الإسلامي تأتي العدالة الاجتماعية كمطلب ثالث بعد تحرير الأرض كمطلب أول، وحرية المواطن كمطلب ثان نظرا للتفاوت الشديد بين الأغنياء والفقراء قبل الطفرة النفطية وبعدها. فأفقر فقراء العالم من المسلمين، وأغنى أغنياء العالم منهم أيضا. تموت الملايين جوعا وقحطا وعريا في الصحراء في جنوب السودان والصومال ومالي وتشاد وبنجلادش، وتتراكم التريليونات والمليارات من عوائد النفط، وهو ما يتنافى مع وحدة الأمة.

وتكثر الآيات والأحاديث والأقوال والمأثورات التي تعطي الفقراء حقهم في أموال الأغنياء،

والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم . قلنا يا رسول الله، أفي المال حق غير الزكاة؟ قال: نعم، في المال حق غير الزكاة. الزكاة هي الحد الأدنى لدوران رأس المال في المجتمع وليس الحد الأعلى الذي تحدده حاجات الاستثمار لصالح الجميع. كما وردت أقوال ضد الفقر كما قال عمر: «والله لو كان الفقر رجلا لقتلته». وما ورد عن أبي ذر والأفغاني «عجبت لرجل لا يجد قوت يومه ولا يخرج للناس شاهرا سيفه!» وهو نقيض ما تتجه إليه الثقافة الشعبية كما يتضح في الأمثال العامية مثل «الفقر حشمة، والعز بهدلة».

يكفي تحليل لفظ «مال» في القرآن الكريم لمعرفة قدر المشاركة في الأموال بين الناس وتحريم أن ينحصر في حفنة من الأغنياء،

كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم . فقد ذكر اللفظ ستا وثمانين مرة مما يدل على أهمية الموضوع. ولا يضاف إلى الضمائر أكثر مما يضاف إليها مما يدل على أن المال ليس موضوعا للملكية. وأكثر الضمائر إضافة للمال هو الغائب الجمع في صيغة «أموالهم» وهم الغائبون، جمهور الفقراء. ولا يضاف إلى ضمير المتكلم إلا مرة واحدة وبمعنى سلبي، هلاك المال،

ما أغنى عني ماليه . بل إن اللفظ نفسه لفظ مركب من حرف الصلة «ما» وحرف الجر «ل» مما يدل على أنه إضافة ونسبة، وليس جوهرا وشيئا. المال وظيفة وليس ملكية. هي أموال الناس وأموال اليتيم واليتامى والفقراء والمحتاجين ومن لا عائل لهم. المال مال الله لا يملكه أحد من البشر. للإنسان حق الانتفاع والاستثمار والصرف، وليس له حق الاحتكار والاستغلال والاكتناز؛ لذلك حرم الربا لأن المال لا يولد المال من تلقاء نفسه بل عن طريق الجهد والعمل والإنتاج. المال دون نفع مجرد زينة وتفاخر مثل البنين والأولاد. اللفظ يأتي مجرورا لأنه نسبة وإضافة، ومنصوبا لأنه مناط الجهد والإنفاق.

المال مال الله يورثه لمن يشاء من عباده الصالحين. ليس وراثة أو نهبا أو تهريبا أو احتكارا. المال وديعة للصرف وليس قيمة مختزنة في حد ذاتها. المال مشاركة بين الناس،

وشاركهم في الأموال . وليس استحواذا أو اكتنازا وتراكما،

ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا . وشرط الإيمان الصدق في المعاملة وعدم أكل أموال الناس بالباطل،

يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل . المال مال اليتامى،

إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا . ولا تترك الأموال بأيدي السفهاء للتبذير والاستهلاك،

ولا تؤتوا السفهاء أموالكم . وخلاص الإنسان بالعمل الصالح وليس بما يملك من أموال،

وتحبون المال حبا جما . المال فان والعمل الصالح ثابت. يتركه الإنسان وراءه ولا يأخذ معه إلا العمل الصالح.

تؤكد استعمالات لفظ المال إذن على معان ثلاثة: الأول، المال حق الله، وحق الآخر، وواجب استقلال الشعور الذاتي عنه. المال مال الله وليس ملكا لأحد. وللإنسان حق التصرف والانتفاع والاستثمار. فإذا ما استغل أو احتكر أو اكتنز من حق السلطة الشرعية استرداد الوديعة بالتأميم والمصادرة للصالح العام. المال حركة اجتماعية وسيولة بين أفراد الجماعة لا يجوز اكتنازه أو احتكاره أو الاحتفاظ به. ومن حق السلطة الشرعية مصادرته لتدويره للصالح العام. فالملكية ليست حقا طبيعيا بل أمانة ووديعة واستخلاف،

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٤٩