تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين . وفي نفس الوقت الذي يحرم فيه القرآن موالاة الآخر بمعنى التبعية وفقدان الهوية يثبت المودة له،

ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون . كما يؤكد التقاء الأنا والآخر على كلمة سواء، نسق من القيم يقوم على الحرية والعدل للجميع في آية المباهلة،

قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله . وبتعبير الثوار المحدثين، يد تقاتل التبعية والتغريب، ويد تسالم من أجل حوار متكافئ بين الطرفين. (4) تجنيد الجماهير

إذا كان فقه الأولويات في اليسار الإسلامي يبدأ أولا بتحرير الأرض ضد الاحتلال، وثانيا بحرية المواطن ضد القهر، وثالثا بالعدالة الاجتماعية ضد الفقر، ورابعا بوحدة الأمة ضد التجزئة، وخامسا بالتنمية المستقلة ضد التبعية، وسادسا بالهوية ضد التغريب، فإن القضية السابعة والأخيرة هي تجنيد الجماهير أو حشد الناس، وتحويل الأمة من الكم إلى الكيف، وتحويل حوالي مليار ونصف من المسلمين أي ربع سكان المعمورة من مجرد عدد كمي إلى طاقة كيفية قادرة على الصمود في مواجهة خمسة ملايين من المستوطنين في فلسطين. يساندهم ثمانية ملايين من يهود العالم. ومن ورائهم الدوائر العنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية خاصة المحافظين الجدد. فالأفكار في حاجة إلى بشر، والأيديولوجيات في حاجة إلى جماهير، والنبوات حركات تغير ودفعات تقدم في مسار التاريخ. الأفكار بمفردها لا توجد إلا في أذهان النخبة ثم تتحقق في حركة الجماهير، من الخاصة إلى العامة، ومن القادة إلى الشعب.

وهو موضوع فلسفي واجتماعي وسياسي. تحدث فيه أورتيجا في «ثورة الجماهير» ودوسيل في «تربية المضطهدين». وتعرض إليه القدماء بتفرقتهم بين الخاصة والعامة على نحو معرفي خالص. فالخاصة هم القادرون على فهم الباطن وتأويل النصوص، في حين أن العامة وظيفتهم التطبيق لظاهر الشريعة وطاعة الأحكام.

والسؤال هو: لماذا هذا السكوت المطبق للجماهير؟ أين الشارع العربي؟ «وين الملايين ؟» يتحرك الشارع الأوروبي بالملايين من أجل قضايانا، ضد الغزو الأمريكي للعراق، وضد الاحتلال الإسرائيلي لكل فلسطين، والشارع العربي صامت، إلا من بؤر محدودة هنا وهناك، في المغرب ومصر والبحرين والسودان واليمن وموريتانيا وعلى نطاق أوسع في لبنان، والعرب ثلاثمائة وخمسون مليونا لا يتحركون لفك الحصار عن غزة. والمسلمون مليار ونصف ولا يتحركون لتحرير القدس، أولى القبلتين وثاني الحرمين. فما السبب في هذا السكون المطبق؟

هل الخوف من السلطان وحكمه المطلق وأجهزة الأمن والشرطة العلنية والسرية؟ فهي الرعية وهو الراعي، تشبيه الغنم وراعي الأغنام. عليها السمع والطاعة،

أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم . الخروج عليه فتنة،

والفتنة أشد من القتل . هل العقائد الأشعرية هي المسئولة؟ القضاء والقدر والأمثال العامية التي تولدت منه والتي حاول المصلحون مناهضتها، فالحاكم الظالم قضاء من الله، وقدر منه، لا يمكن تفاديه. هو امتحان واختبار وبلاء. فالمؤمن مصاب. هل تصور الإمام عند الفلاسفة والمتكلمين، كامل الأوصاف الذي لا يوجد أكمل منه؟ حكمه بالطبيعة والتاريخ والزعامة الشخصية ومدى الحياة. ليس محددا بمدة أو بسلطة إلا الكتاب الذي يمكن تأويله لصالح النخبة ولصالح الجماهير في آن واحد وكما يتضح هذه الأيام في مبدأ «الحاكمية». هل الهروب إلى التصوف والطرقية هو السبب في تحويل الدين إلى اغتراب خارج العالم، والاتحاد بالله بالقفز فوق العالم، والتحول إلى الرأسي تعويضا عن الأفقي؟ هل هي كل القيم التي أفرزها التصوف، المقامات والأحوال، الصبر والتوكل والخوف والخشية والرضا والتسليم التي منعت الناس من الثورة والغضب والتمرد والاعتراض والنفي والمواجهة؟

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ١٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ١٣٤