تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

لذلك، فالاستشراق ليس جزءا من الحضارة الإسلامية ولا يرتبط بها ولا يفيد شيئا، بل هو جزء من الحضارة الغربية يكشف عن تكوين الباحث الأوروبي ومزاجه، ويكشف عن حقيقة ما يسمى بالموضوعية أو العلمية، كما يبين عمل شعور الباحث الأوروبي في دراساته لحضارات أخرى غير حضارته ويعرض تحيزاته.

6

ولما ظهرت معظم المناهج الاستشراقية في القرن التاسع عشر الأوروبي فقد سادها المذهب الوضعي السائد، فخرجت وضعية تاريخية إلى أقصى حد، واستقر المستشرق في القرن العشرين على هذا المذهب ولم يفارقه، أصبح متخلفا عن زميله الباحث الأوروبي في العلوم الإنسانية، وإذا كان الباحثون الأوروبيون قد ثاروا على المناهج الوضعية في القرن التاسع عشر، فإن زملاءهم المستشرقين لم يفعلوا بالمثل، وظلوا متخلفين فكريا ومنهجيا؛ لأن الدوافع ثابتة، وأهداف الاستشراق لم تتغير، ووجدوا المناهج الوضعية في القرن التاسع عشر أكثر استعدادا لتحقيق هذه الأهداف، ولم يخرج على هذا إلا القليل الذي تابع تطور مناهج العلوم الإنسانية.

7

ويمكن الكشف عن النعرة العلمية في مناهج أربعة يستعملها المستشرقون إما على حدة أو مجتمعة، وهي إما شعورية يعيها المستشرقون أو لا شعورية كامنة وراء عمل المستشرق وتحدد اتجاهاته أمام الظاهرة.

وهذه المناهج هي: المنهج التاريخي، والمنهج التحليلي، والمنهج الإسقاطي، ومنهج الأثر والتأثر.

8 (1-1) المنهج التاريخي

وهو المنهج الأول المعبر عن النعرة العلمية، ويتكون هذا المنهج أساسا من البحث عن الوقائع التاريخية أو الاجتماعية ووضعها بجوار بعضها البعض وترتيبها ثم الإخبار عنها والتعريف بها باعتبارها الظاهرة الفكرية ذاتها، تاركا كلية أصول الظاهرة في الوحي أو في الشعور، وخاليا من كل تفسير أو فهم أو تأويل أو بحث عن دلالة أو تعرف على قانون، والتاريخ قد يكون تاريخا سياسيا عن طريق رصد الأسر الحاكمة وتقلبات بيوت الأمراء والملوك، أو تاريخا اجتماعيا ووصف المؤسسات والنظم وكأن كل ما في الواقع مبني على أصول، أو تاريخا عاما يجمع كل شيء من سياسة واقتصاد واجتماع وقانون، مجرد دائرة معارف تعطي كل شيء ولا تعطي أي شيء، فإذا كان الموضوع علم التوحيد سردت الوقائع التاريخية كما يحلو للبعض أن يصفها وكأن علم التوحيد جزء من التاريخ العام، فإذا ذكرت المعتزلة ذكرت حادثة واصل بن عطاء مع الحسن البصري ونشأة المعتزلة باعتزاله مجلسه، وإذا ذكر خلق القرآن ذكرت محنة المعتزلة وعصر المأمون والمعتصم والمتوكل، وإذا ذكرت الشيعة ذكرت أسماء الأعلام والأئمة، وتنسب المذاهب والأفكار إلى الأماكن، فهناك الحرورية والبصريون والبغداديون والكوفيون في حين أن الأفكار مستقلة عن الأماكن ولها وجودها الخاص في الشعور، وإن كانت محمولة على الواقع وتظهر فيه في صورة حركات واتجاهات ونظم، فإذا جاءت الفلسفة وعصر الترجمة ذكرت أسماء مراكز الترجمة ودور الحكمة، وأسماء المترجمين وأسماء ترجماتهم، أما فن الترجمة ذاته وصلته بالفكر، ونشأة الألفاظ والمعاني والجدل بينهما فلا شيء منه يذكر، وإذا جاء الفقه والأصول ذكرت الحجاز والعراق ومصر، وذكر الأوزاعي وأبو يوسف وكأن مناهج التشريع من عمل الأمصار ومن وضع الفقهاء، وإذا جاء التصوف ذكرت البصرة وبغداد، وفارس والأندلس، ومصر والشام، وتناثرت القصص والحكايات، والنوادر والفكاهات، ولكن كيف نشأ التصوف في شعور الجماعة، فذلك ما لم يعلمه أحد .

وقد يبدو التاريخ على أنه تاريخ حياة المفكرين وأنسابهم، مولدهم وثقافتهم، ميولهم وأهواؤهم، مذاهبهم وأفكارهم، وظائفهم ومناصبهم مع أن الفكر الإسلامي لا يضع أفكارا بل يعرض طريقة في تفسير النصوص الدينية وفهمها وتحويلها إلى معان وأبنية نظرية، فلا يأتي علم التوحيد من دراسة الشخصيات لأن عالم التوحيد لا يضع حقائق من اكتشافه الخاص لم تكن معروفة من قبل، بل هو عارض لموضوعات الوحي على مستواه الثقافي وبلغة العصر، ليس هناك نظريات للنظام، وأخرى للجويني، وثالثة للغزالي، بل هناك نظريات الكمون، ونقد العلية، صحيح أن الأفكار الفلسفية قد ارتبطت في تاريخ علم الكلام بأصحابها، فهناك الكرامية والهذيلية والأشعرية والجهمية والواصلية ... إلخ ولكنها مهمتنا نحن في القضاء على الشخص لإبراز الفكرة اللاشخصية حتى يمكن التعامل مع الظواهر الفكرية باعتبارها مستقلة عن القائلين بها،

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٣٢