مطالبة الجماهير المنتسبة للدعوة بالطاعة المطلقة، وغياب الطابع الديمقراطي الحر داخل الجماعة مما يسهل الانشقاق عليها من أجنحتها المختلفة، صحيح أن ذلك يدل على دقة التنظيم ومدى استعداد أنصاره للتضحية، ولكنه يجعله أشبه بالنظام العسكري الذي لا تجوز فيه المراجعة، وتجعل الأفراد مجرد أدوات للتنفيذ، مما يرجعنا للنموذج الشيعي للدعوة والطاعة الواجبة للإمام. والخطورة أن تنفصل القادة عن جماهيرها العريضة، وأن تكون في قرارتها أقرب إلى المناورة السياسية والممارسة الحزبية منها إلى تحقيق مصلحة الدعوة، وتكون مهمة الكوادر تبرير القرارات للقواعد العريضة فيبلغ الجميع ما تقرره القيادة، وقد ينتهي البناء كله إلى الضياع، وتكون الجماهير هي الضحية. (13)
سيادة التصور الجنسي للعالم، والبداية بالحجاب، وعدم الاختلاط، والأمر بغض النظر، وخفض الصوت، وكلما ازداد الحجاب ازدادت الرغبة في معرفة المستور، والدعوة السياسية الاجتماعية أرحب نطاقا وأوسع من هذا التصور الجنسي للعلاقات الاجتماعية، ولماذا يصنف المواطن إلى رجل وامرأة؟ ولماذا ينظر إلى الإنسان باعتباره ذكرا أم أنثى؟ إن تأكيد النظرة الإنسانية أو الإعلان عن الثورة السياسية من شأنه إحداث ثورة في السلوك الفردي دون ما حاجة إلى اللجوء إلى التصنيف الجنسي للمواطنين، خاصة وإن كان لا يدل على فضيلة بل يدل على رغبة جنسية مكبوتة أو حرمان جنسي في حالة من التسامي والإعلاء.
5 (14)
البداية بالمحرمات، والتشديد في العقوبات، وإصدار قوائم للممنوعات، وجعل السلوك الإنساني تحقيقا للنواهي دون ذكر للمباحات التي يمكن للإنسان أن يتصل من خلالها بالطبيعة، وجعل العالم مواطن للشبهات لا يجوز للإنسان أن يحوم حولها خشية التردي فيها؛ هذا كله يمنع الثقة بين الإنسان والعالم، ويضع في الإنسان الخوف بدل الشجاعة، والإحجام بدل الإقدام، ويجعل الإنسان متشككا في سلوكه، متهما لنفسه، نادما باستمرار على ما فعل مما يرسخ في نفسه الإحساس بالذنب الناتج عن الاقتراب من «التابو» أو من مجرد التفكير فيه، والوعي السياسي يتطلب القضاء على كل هذه المحرمات التي تخضع لتحليل العقل ولوصف الواقع، مما يعيد الثقة للإنسان بينه وبين سلوكه وبينه وبين العالم. (15)
البداية بقوانين العقوبات أو بتطبيق الحدود وكأن الإسلام يأتي أولا بالرجم والقتل وقطع اليد والتعذيب لأناس لا يعيشون في بيئة إسلامية، ولم يتربوا التربية الإسلامية، ولم يأخذوا حقوقهم التي أعطتها لهم الدولة الإسلامية، بل هم يعيشون في مجتمع الاستغلال والفقر، ومن ثم يسقط حد القطع بالشبهة، ويواجهون بالإثارة الجنسية في كل مظهر من مظاهر الحياة، ومن ثم يسقط حد الرجم بالشبهة. وقد وصف الأصوليون أحكام الوضع وجعلوها قائمة على السبب والشرط والمانع، بالإضافة إلى العزيمة والرخصة، والصحة والبطلان، فكل حد لا بد أن يتوافر فيه سببه، ويتحقق شرطه، ولا يوجد مانع من تحقيقه؛ فشرط تطبيق حد القطع هو السرقة عن شبع لا عن جوع، وسبب تطبيق الحد هو توافر الأهلية وليس وجود مواطن في مجتمع يقوم على السرقة والنهب والتطلع للكسب بشتى الطرق، فالجوع مانع من تطبيق الحد. وإن تصوير أي دعوة للناس على أنها تعاقب وتهدد لهي دعوة منفرة لا تنتشر إلا بين الصبية والمراهقين.
أما الأخطاء الناتجة عن التحليل السياسي للموقف فهي ليست أخطاء جوهرية، قد يقع فيها أي تنظيم، وهي في معظمها أخطاء ناتجة عن المنظور الفكري للجماعة وعن تكوينها الفكري والديني، فهي ليست أخطاء من حيث المبدأ، ولكنه فقط سوء تصرف من حيث الممارسة. (1-2) التغيير بواسطة الجديد
ويقع أنصار الجديد في أزمة مماثلة وهو بصدد تغيير الواقع، وتنتهي محاولاتهم أيضا إلى الفشل للأسباب الآتية: (1)