تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والخطأ الثاني هو الذي يبدأ باستنباط الواقع من نظرية مسبقة سواء كانت موروثة أو منقولة أو عصرية تجمع بين الموروث والمنقول، فالتراث والتجديد ليس المقصود منه التعامل مع معطيات ثقافية والإصلاح بينها بل المقصود منه إدراك الواقع بنظرية علمية، ويقوم أصحاب الموروث وأصحاب المنقول في نفس الخطأ وهو البدء بنظرية مسبقة وعلى الواقع أن يتكيف طبقا لها، وإن اختلفا معا في مصدر هذه النظرية وليس في أسسها وصلاحيتها، فكلاهما يدافعان عن فكر لا عن واقع وكلاهما من أنصار التراث وليس من أنصار التغيير، أما محاولات التجديد فإنها أيضا تتم عن طريق الجمع بين التراثين الموروث والمنقول من أجل التوفيق بينهما وكأن العصرية تعني اتفاق التراث القديم مع التراث العصري، فهي محاولات فكرية وإن كان الواقع هو المقصود، أما «التراث والتجديد» فهو القادر على التنظير المباشر للواقع لأنه يمد الواقع بنظريته التي تفسره، وقادرة على تغييره، فالتراث هو نظرية الواقع، والتجديد هو إعادة فهم التراث حتى يمكن رؤية الواقع ومكوناته، وسواء بدأنا من التراث لفهم الواقع أو التنظير المباشر للواقع، فكلا المنهجين، النازل والصاعد، يؤديان إلى نفس النتيجة، ويصلان إلى نفس التحليل إن تم تطبيقهما معا وليس كلا منهما على انفراد، فلا الواقع يستنبط من الفكر، ولا الفكر يأتي من الواقع المسطح الجزئي وإن كان يأتي من الواقع العريض، وذلك راجع إلى واقعة الوحي الذي هو مصدر التراث، وكيف أنه جاء تلبية لنداء الواقع، وتكيف على أساسه.

| ثانيا: أزمة التغير الاجتماعي

(1) أزمة التغيير في واقعنا المعاصر

والتراث والتجديد رد فعل على أزمة التغيير للواقع الاجتماعي؛ نظرا لتعثر محاولات التغيير واصطدامها جميعا بقضية التراث كمخزون نفسي عند الجماهير، وكما أن هناك اتجاهات ثلاثة في مشكلة التراث والتجديد على المستوى النظري؛ فإن نفس الاتجاهات الثلاثة موجودة أيضا على المستوى العملي، وهي المسئولة عن أزمة التغيير. (1-1) التغيير بواسطة القديم

يحاول البعض التغيير بالتكالب على قيم التراث القديم، والرغبة في تحقيقها ككل، واعتبار الواقع عالما جاهلا إما يتقبل هذه القيم ككل أو يرفضها ككل، فإذا قبلها فهو المجتمع المؤمن، وإن لم يقبلها فهو المجتمع الكافر الذي يجب الخروج عليه، وغالبا ما تصطدم هذه المحاولات بالسلطة فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع القرآن، وتتعثر هذه المحاولات للأسباب الآتية: (1)

سيادة النظرية الإلهية على الفكر النظري؛ ولذلك خرج تصور أنصارها لنظام الواقع على أنه حكم إلهي، فالحاكمية لله بصرف النظر عن طبيعة هذا الواقع وعن مكوناته، وارتبط التغيير المنشود في أذهان المثقفين بالدعوة إلى الحكم الثيوقراطي وهو ما ناهضت الإنسانية في التراث الغربي من أجل التخلص منه إلى الحكم الديموقراطي وهو التفسير العقلي الواقعي لحاكمية الله بفعل الشورى، وبدا أن الغاية هو الدفاع عن الله وليس التغيير الاجتماعي، وبدت الدعوة دينية متطاولة على السياسة، وغير قادرة على ممارسة قضايا التغير الاجتماعي التي تحتاج إلى علم دون دين، وإلى واقعية دون إيمانية مسبقة، وكانت النتيجة أن ابتلاع العالم كله داخل الإلهيات، كما أصبح العدل جزءا من التوحيد في فكرنا الديني المتأخر، ولم تستطع هذه المحاولات تفسير الإلهيات على أنها اجتماعيات، وتحويل الدين من علم للعقائد إلى علم إنساني. (2)

وقف تطور هذه الدعوة فكريا، ووقوفها عند مرحلة معينة من مراحلها، وعدم الأخذ في الاعتبار التطورات الجديدة والمستمرة التي تطرأ على الواقع والتي تحتم على الفكر النظري اللحاق بها؛ ومن ثم تأخر الفكر الإصلاحي الحديث عن مستوى التطور للواقع المعاصر وبدا متخلفا، لم يزد على الحركات الإصلاحية الحديثة شيئا، ولم يدفع الفكر الإصلاحي الحديث خطوة أخرى إلى الإمام إن لم يكن قد تأخر خطوات، دون استثمار للإحياء الاعتزالي، والتأكيد على استقلال العقل والإرادة، ودون تطوير ل «لاهوت الثورة»، ودون معالجة لقضايا الأرض، ودون تجنيد للجماهير، ودون إصلاح للتعليم أو للقضاء من داخله، وهي المحاولات التي بدأها فكرنا الإصلاحي وتركناها بلا تطوير. (3)

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ١٣