تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

23

ما زال العمل غير المطبوع سرا كبيرا، وكل مرة يظهر للعالم ويخرج من دائرة الخفاء إلى دائرة التجلي فإنه يلقي بأضواء جديدة على مجموعات أعمال الظاهريات، خاصة فيما يتعلق بتأويلاتها المقصودة، ولم تقل بعد كلمتها الأخيرة، فإذا استمر قدر لا بأس به من الأعمال غير المنشورة في إخضاع ظواهر الحياة الأخلاقية للمصادرات المنطقية، بل وأيضا المعادلات الرياضية، يحاول قدر آخر أن يعثر على حياة عالم التجربة والزمانية كصور أصلية. هذا بالإضافة إلى أن الجزء المتبقي من العمل غير المنشور، والذي تتم فيه معالجة الخبرة الذاتية المشتركة كجماعة إنسانية تجعل الظاهريات تقترب للغاية من التصوف والجماعة الروحية بل والطرقية.

ما زال النص الظاهرياتي المخطوط أكبر بكثير من المطبوع، فقد تجاوزت «الأعمال الكاملة» لهوسرل التي تنشر تباعا بعد وفاته العشرين مجلدا ولم تنته بعد،

24

بل وتوقف مشروع النشر للنص الظاهرياتي بأكمله، المؤلفات الباقية، والمحاضرات والتقارير والرسائل واليوميات نظرا؛ لأنها لم تعد تضيف جديدا بالنسبة لما هو معروف في المجموعات المتكاملة عن الظاهريات تطورا وبنية، مسارا واكتمالا.

25 (12) اليوميات

26

ويوميات مؤسس الظاهريات التي يعبر فيها عن نفسه ويحلل فيها شعوره تظل ربما أهم جزء من العمل المخطوط، هي المرآة التي تكشف عن حقيقة صاحبها وصورته أمام نفسه، يصف فيها مساره الفكري يوما بيوم وربما ساعة بساعة. وقد دونت اليوميات متزامنة مع الأعمال الرئيسية الأخرى الأجزاء والمجلدات والمجموعات، فقد توزع الفكر على مسارين؛ الأول الموضوعي للعمل الرئيسي، والثاني الشخصي في اليوميات، وقد يجد العمل الرئيسي تأويله الحقيقي في اليوميات.

27

الظاهريات استبطان يتطلب قلب النظرة من الخارج إلى الداخل، ورؤية الماهيات في الشعور من خلال تحليل الخبرات الحية في الحياة اليومية، والظاهرياتي معمل متنقل، وشعوره شعور يقظ، يقتنص الدلالات من عالم الوقائع بعد أن يضعه بين قوسين، هو علم تأملي خالص يعتبر ديكارت مؤسسها الفعلي في «التأملات»، وربما قبله عند أوغسطين في «الاعترافات»، «والسير الذاتية» عن الفلاسفة والصوفية، والأعمال الأدبية التي تقوم على وصف تيار الشعور.

28

ونظرا لأن سرعة تيار الشعور أكبر بكثير من سرعة القلم، اخترع مؤسس الظاهريات طريقة خاصة به في «الاختزال» غير ما هو معروف به في «طريقة الاختزال» كي تتماهى السرعتان، وتلحق سرعة القلم بسرعة التيار؛ لأن اللغة الألمانية لا تسعف؛ فالظاهريات ظاهرة معملية تتحقق في «ورشات العمل» والوصف المشترك لخبرات الحياة اليومية؛ لذلك تحولت بعد وفاة مؤسسها إلى دوائر بحثية لمجموعات من الباحثين داخل أروقة الجامعات.

29

| ثانيا: أفكار موجهة لقواعد التفسير للظاهريات1

وقد تم استنباط هذه الأفكار الموجهة الاثنتي عشرة من النص الظاهرياتي نفسه، تعتمد الثلاثة الأولى على المعاني المختلفة للفظ «لوجوس»؛ الكلام، والتفكير، والشيء المفكر فيه،

2

والرابعة قاعدة تأويلية، ومن الخامسة حتى الثامنة قواعد مستنبطة من نفس المبدأ الذي تقوم عليه الخامسة، والتاسعة خاصة بالدراسات المقارنة، والعاشرة بالظاهريات التطبيقية، والاثنتان الأخيرتان يتعلقان ببنية الظاهريات وتطورها كمنهج مكتمل.

وهي قواعد تنطبق على كل عمل فلسفي، وليس على النص الظاهرياتي وحده إذا كان متشعبا بين التطور والبنية، والنشأة والاكتمال، والنظرية والتطبيق، والفلسفة والمنهج، والرؤية والتاريخ. وظيفتها جمع المادة العلمية في آليات منهجية واحدة من أجل القراءة الدالة، والنتائج العامة بدلا من التقسيم والتجزيء والتفتيت بدعوى التحليل العلمي ومعرفة الجزئيات.

كما تنطبق على النصوص الدينية التي تتسم بنفس طابع الشتات والتشعيب من أجل إعادة جمعها في منظور كلي واحد، وتنطبق أيضا على النصوص القانونية خاصة في بعض حالاتها، مثل: القاعدة الرابعة عن الحرف والروح في القانون، وتنطبق كذلك على النص الأدبي لتفسير وحدة العمل الروائي أو الشعري خاصة في الدراسات البنيوية والوصفية، وقد تنطبق أخيرا على النص التاريخي من أجل تحليل رؤية المؤرخ التي تحدد نصه؛ فالتاريخ تدوين، والتدوين رؤية وتعبير. (1) من اللفظ إلى الشيء، ومن الشيء إلى اللفظ

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٦٧