15
وهي ميزة لديه على الشعور المغترب أو الملتزم بمذهب ما داخل حضارته.
16
الوعي المحايد موجود بفضل نوع من التربية الذاتية للباحث لنفسه وبنفسه. يوجد وعي الباحث نفسه أولا في حالة من البراءة الأصلية، ويتخلى عن كل الأحكام المسبقة، ثم يبدأ اتباع فهم يبدأ من البراءة الأصلية، والبحث عن بداية جذرية تمنع مرة ثانية من اللجوء إلى أحكام مسبقة. ويستطيع هذا المنهج العودة إلى الأشياء ذاتها عن طريق اتحاد الوعي بالأشياء لإدراك ماهياتها.
17
أليس من الطموح محاولة إيجاد بنية وتطور للوعي الأوروبي؟ هل يمكن إخضاع الوعي الأوروبي بعد أن أصبح ظاهرة كموضوع للدراسة؟
أولا، تكون هذه الملاحظات السابقة المتشعبة حول الوعي الأوروبي العناصر الرئيسية لهذا التخطيط المرجو. ثانيا، لو استطاعت هذه الملاحظات أن تكون جزءا من هذا التخطيط يأتي قانون عام يقوم على هذه العناصر القليلة للمساعدة على توضيح الموقف بقوة التعميم، تستطيع هذه العناصر الخاصة والقانون العام أن تشارك في تكوين هذا التخطيط. ثالثا، الأحكام الجريئة ضرورية، ولو كانت المادة العلمية قليلة وكان القانون العام غير مطابق، إلا أن الأحكام الجريئة تأتي للعون. قوة الحكم تحكم رؤية العناصر، وتجعل عمومية القانون أكثر تطابقا. وطالما استطاعت بعض الأحكام غير المؤسسة تأسيسا كاملا أن تثير الأذهان، فإنه من الممكن إعادة تأسيسها على نحو أتم.
18
ويمكن للشعور المحايد أن يكون شعور الباحث اللاأوروبي الذي استطاع التخلص من الخطابة ومن بيئته الثقافية. والواقع أن وعي الباحث اللاأوروبي له ميزة القدرة على التخلص من الانطباع الذهني الذي تتركه الحضارة الأوروبية على وعي الباحث الأوروبي. يستطيع أن يعطي عدة ملاحظات دقيقة أكثر من الباحث الأوروبي بسبب المسافة الكبيرة بين الباحث وموضوعه. يستطيع رؤيته من أعلى، وعن بعد.
إن الوعي المحايد هو الأمل الوحيد لرؤية الحضارة الأوروبية على حقيقتها؛ لأنه هو الوعي الوحيد المنصف. يكفي النظر إلى طرق معرفة الباحثين الأوروبيين المنتمين إلى نفس الحضارة للتأكد من غياب الحياد الكامل. كيف دون التاريخ؟ فتاريخ الفلسفة الذي يكتبه تجريبي يدور حول التجريبية وكأن تاريخ الفلسفة هو تاريخ الفلسفة التجريبية،
19
وتاريخ فلسفة آخر يكتبه مثالي يدور حول الفلسفة المثالية وكأن تاريخ الفلسفة هو تاريخ الفلسفة المثالية،
20
وتاريخ ثالث للفلسفة يكتبه وجودي يدور حول فلسفة الوجود وكأن تاريخ الفلسفة هو تاريخ الفلسفات الوجودية. وهكذا يكتب التاريخ دائما من زاوية واحدة. لماذا؟ تم ذلك لأن شعور الباحث شعور منحاز إلى مذهب، ينتسب إلى عقيدة أو يضع قناعا يرى من خلاله العالم. ويمكن رؤية ذلك بوضوح في كتابة التاريخ من منظور المادية الجدلية، فكل ظاهرة لها أسباب وجودها في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وعندما يستطيع الباحث أن يخلع عن وجهه المذهب-القناع، والذي يدون التاريخ من خلاله، فإنه لا يتجاوز مستوى المؤرخ الذي يرى التاريخ باعتباره تاريخ أزياء وأغطية للرأس، مجرد تجاور للمذاهب أو تتابع للنظريات، أو يلجأ إلى الحلول الوسط، وأنصاف الحلول، والانتقائية.
21
ليس الوعي المحايد وعيا لا يهتم بشيء، باهتا أو رخوا، ولكنه وعي ملتزم بطريقته الخاصة. ليس التزامه عن طريق رؤية العالم لصالح نظرية-قناع لأنه لا ينتمي إلى أي منها، التزامه هو الالتزام بالبحث عن الحقيقة. الوعي المحايد ممكن، ولكن ذلك لا يعني غياب كل عنصر قبلي سابق على الإدراك؛ فكل وعي ليس فقط وعيا بشيء، بل وعي مهتم بشيء؛ فالإدراك الذي من خلاله يتجه الوعي إلى العالم مشروط بشعاع ينبثق من الذات إلى الموضوع، من الوعي إلى مضمونه، من العقل إلى الشعور.