تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

ومن خلال هذا القناع تعود الظاهريات إلى الفلسفة المدرسية تبريرا للدين، واستبعاد العقلي، وترك المجال مفتوحا للسر وليس للوضوح، ولما يفوق الطبيعة وليس للطبيعة، وللمفارقة وليس للحلول، وللأحكام المسبقة وليس للتوقف عن الحكم والرمز وللشكل، مع أن الظاهريات هي طريقة في فك الرموز.

3

ومن الغريب أن الظاهريات حدس ديني أصيل؛ فالمثالية دين عقلي، والعقلانية دين مثالي، ولكنها ليست تبريرا خارجيا للعقائد التاريخية كما كان الحال في الفلسفة المدرسية. الظاهريات حدس ديني عميق بقصدها، وبحثها عن المطلق، وكان لكل الفلسفة منذ عصر النهضة نفس المشروع الذي حققته الظاهريات في النهاية وعلى الوجه الأكمل، ولا تمثل الظاهريات أي خطر في أن تصبح الفلسفة بديلا عن الدين، بل تطهر معطى الوحي عن أغلفته العقائدية والتاريخية.

4

وبالإضافة إلى العقائدية اللاهوتية هناك المادية الجدلية كقناع ثان لرؤية الظاهريات من خلاله، وتأويلها من ورائه،

5

ومن البداية تعلن المادية الجدلية عن نفسها أنها هي الفلسفة الوحيدة الصحيحة في مواجهة الفلسفات الأخرى بما في تلك الظاهريات المليئة بالتناقضات الداخلية. وعلى نقيض المثالية الظاهراتية تقف الواقعية المادية الجدلية. وفي مقابل النظرية «اللوجوس» يقف العمل «البراكسيس».

6

تستطيع الظاهريات أن تطور نفسها بنفسها دونما حاجة إلى تطعيم خارجي من نظريات أخرى، وإن لم يدخل الفعل في إطار الفلسفة المثالية فإن المادية الجدلية تقوم على افتراضات مناهضة،

7

و«الرد» ليس افتراضا مسبقا، بل الوضع الطبيعي للشعور في العالم، ولا يكون البحث عن «البراكسيس» بقول خطابي بل بتحليل أنماط السلوك.

8

وأحيانا تعرض الدراسات الثانوية الظاهريات من خلال وجهات نظر خارجية عنها، وتدرس بمناهج غريبة عليها، دون استعمال المنهج الظاهرياتي نفسه أو على الأقل استعمال منهج مقارب. مثلا تم تحليل العلاقة بين الفكرة والواقع لاستخدامها في تحليل العلاقة بين صورة الفكرة ومضمونها، ولفظ «جدل» غريب على الظاهريات لأنها ليست فكرا أو منهجا جدليا، واستعمال لفظ غريب على الظاهريات، وقريب من نظرية فلسفية أخرى سابقة تحيل الظاهريات إلى إشكالات غريبة عنها، ورؤيتها من منظور مذاهب فلسفية أخرى تريد الظاهريات تجاوزها.

9

والدراسات الثانوية تجعل الظاهريات المعروضة فيها تقول ما لا تريد أن تقوله، وتنتقي لحظة من تطور الظاهريات وتخرجها من ديمومتها، مثلا أن الظاهريات لا تضمن منطقا صوريا، بل إنها، بعد اكتمالها كمنهج، أخذت المنطق الصوري كنقطة تطبيق لتحويله إلى منطق ترنسندنتالي، مرادف للظاهريات.

10

وهكذا تم «رد» الظاهريات مرات عديدة إلى شيء آخر غيرها، وردت إلى مشاكل خارجية تركتها الظاهريات وراءها، مشاكل أرادت الظاهريات تجاوزها، وموضوعات جزئية لا تعبر عن الظاهريات في شمولها واكتمالها، ومراحل ولحظات سابقة تجاوزتها الظاهريات مع تطورها، وتيارات وتوجهات فيها جوانب منها وليس كلها. صحيح أن الظاهريات هي كل هذا، ولكن تتجاوزها إلى وحدة شاملة متكاملة.

وتبدو الدراسات الثانوية أحيانا أكثر صعوبة في قراءتها من مؤلفات الظاهريات نفسها، تسودها النعرة العلمية عند الباحث من أجل بيان قدراته على احتواء الموضوع، الظاهريات هي مجرد وسيلة لإثبات موقفه الخاص، ودليل على مهارته، ووسيلة للدفاع عن الذات. وينظر إلى القارئ من عل، فيخاف من الظاهريات باعتبارها معرفة رفيعة تتجاوزه، وترهب الباحث الذي استطاع أن يرتفع بمستواه للوصول إلى فهمها.

انتقلت الظاهريات النظرية، بواسطة الدراسات الثانوية، إلى مستوى آخر غير مستوى الظاهريات، فإذا استطاعت الظاهريات تجاوز مشكلة المثالية والواقعية عن طريق القصدية تحاول الظاهريات النظرية تأطير الظاهريات، باعتبارها فلسفة متشابهة، في هذا أو ذلك الاتجاه المعرفي،

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٥٩