تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| مقدمة1

(1) ظاهرة «الوعي الأوروبي»

مبهورا بأوروبا، وواقعا تحت إغراء لغتها وألفاظها ومصطلحاتها، ومندهشا لظروفها ومحيطها، قال أحد المفكرين: «هذا انفعال خالص يمكن أن يخضع للتأمل.» وداخل هذا الانفعال يكمن الغرب كموضوع للدراسة؛ إذ يشير هذا اللفظ «أوروبا» إلى وحدة اقتصادية وسياسية. وقد استبدل به تعبير «الوعي الأوروبي»، وهو يشير إلى وحدة فكرية لها صفات خاصة. وبالفعل أصبح «الوعي الأوروبي» منذ فترة موضوعا رئيسيا، ليس فقط في فلسفة التاريخ، بل أيضا في الفلسفة الخالصة.

2

ويستبدل أحيانا بلفظ «أوروبي» لفظ «غربي». يشير لفظ «أوروبي» إلى ميدان الأيديولوجيا، بينما يشير الثاني إلى الميدان المادي. يشير الأول إلى «الحضارة»، بينما يشير الثاني إلى «المدنية». وما زال لفظ «أوروبي» يحتفظ بصفاته، ولم يستعمل على نحو عشوائي كما استعمل لفظ «غربي». ويشير لفظ «أوروبي» الآن إلى أيديولوجيا الوحدة الاقتصادية والسياسية لأوروبا، وقد كان يشير له من قبل إلى «كل روحي» لميراث مشترك له خصوصيته المتميزة.

3

أصبح لفظ «الغرب» يشير إلى بيئة خاصة تنبثق منها موضوعات نظرية ومظاهر عملية للسلوك الإنساني،

4

ويستعمل أحيانا في تقابل مع لفظ «الشرق» في ميادين دفاعية أو عالمية مزيفة.

5

وبعد يقظة العالم الثالث، وتحرر الشرق من الهيمنة الغربية، ظهر شكل جديد من أشكال الهيمنة البطيئة والأكثر حيطة، وهو التقارب بين الغرب والشرق. وتخفي أساليب الدفاع والبلاغة النوايا الحقيقية. هذه الطريقة في التفكير هي التي تتبعها النوادي والمراكز الثقافية، وهي بعيدة كل البعد عن البحث العلمي المستقل النزيه.

وبعد إيثار لفظ «أوروبا»، أيهما أفضل بعد ذلك «الوعي الأوروبي» أو «الحضارة الأوروبية»، مما لا شك فيه أنه لا يوجد «دين أوروبي»؛ فالدين له أصوله القبلية في الوحي، وعلى أقصى تقدير يمكن استعمال تعبيرات «فلسفة أوروبية» و«علم أوروبي»، ومع ذلك الفلسفة والعلم الأوروبي هما مظهران لنشاط «الوعي الأوروبي» مصدر الحضارة «الأوروبية». ويستعمل لفظ «الوعي» للإشارة إلى المصدر المنتج للحضارة، ويستعمل لفظ «حضارة» للإشارة إلى المنتج نفسه الذي يتضمن مجموع الأعمال؛ أي المصنفات الفكرية والأدبية.

أصبح «الوعي الأوروبي» ظاهرة للدراسة، ولوحظ ذلك داخل الحضارة الأوروبية وخارجها. لاحظها عديد من الفلاسفة والباحثين الأوروبيين وغير الأوروبيين، وقد تمت دراستها تحت بعض المؤشرات، مثل: «الأفول» أو «الأزمة» أو «الانتحار».

6

وقد لاحظ الفلاسفة والدارسون ظواهر «أزمة الوعي الأوروبي» و«أفول الغرب» على مدى امتداد الحضارة الغربية كلها، منذ بداية القرن الماضي. وربما أعطت ساعة النهاية الوعي الأوروبي الإحساس بأنه يقوم بحسابه الأخير ويقدم لنفسه كشف الحساب.

لم يدرس الفلاسفة فقط ظاهرة «الوعي الأوروبي» أو بتعبير أدق ظاهرة «أفول» أو «أزمة» الوعي الأوروبي باعتباره موضوعا للتفكير، بل أيضا الباحثون.

7

فإذا حاول الفيلسوف تشخيص أزمة العلوم الأوروبية ووصف أفول الغرب أو إعلان العدمية الشاملة والهدم الكامل لكل القيم، يحاول الباحث اختيار فترة زمنية من تطور الوعي الأوروبي.

8

ولظاهرة «الوعي الأوروبي» سابقتها في فلسفة التاريخ. صحيح أن مفهوم التاريخ مفهوم غربي؛

9

فقد نشأت فلسفة التاريخ بعد عصر النهضة لتحديد صلة فلسفة التنوير بالفلسفات الأخرى السابقة عليها خاصة الفلسفة المدرسية. وبعد عديد من الفلسفات المتتابعة في العصور الحديثة، نشأت فلسفة للتاريخ لتحديد تطور المذاهب الفلسفية، وكان لكل عصر روحه. ومهدت فلسفة التاريخ إلى ظهور مفهوم «الحضارة»؛ فظاهرة «الوعي الأوروبي» نتاج الحضارة الأوروبية.

وخارج الحضارة الأوروبية، وبعد وعي الشعوب بحضارتها المستقلة بعد حركات التحرر الوطني، ظهر مفهوم «الوعي الأوروبي» كموضوع للبحث، إما دفاعا عن استقلال حضارات الأطراف أو لنقد هيمنة حضارة المركز.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٤