106 (5) الموروث (أ) التمايز بين الأنا والآخر
ويظهر الموروث في الموسوعات الثلاث بداية بالتمايز بين الأنا والآخر وهو أساسا تمايز في الزمان والعصر كما أنه تمايز في الحضارة والثقافة. هذا الإحساس بالتمايز بين الأنا والآخر هو نفسه إحساس بالتحول من النقل إلى الإبداع سواء اتفق ابن سينا مع المعلم الأول أو اختلف معه أو حاذاه. فليست المطابقة هي القضية. القضية هي إعادة التفكير في مسار فكري مستقل. ولا يحدد ابن سينا أحيانا من هو الآخر على وجه العموم أم على وجه الخصوص. يكتفي بالإشارة إلى ظن بعضهم أو قوم أو بعض المموهين ويعلن خلافه معهم. ولا يتحدث ابن سينا عن أرسطو أو حتى عن المعلم الأول بل عن التعليم الأول انتقالا ثانيا من اللقب إلى الموضوع بعد أن تم الانتقال سلفا من الشخص إلى اللقب.
107
البداية بذكر التعليم الأول تجميعا دون تعقب الترتيب، والجمع أي النسق عمل إبداعي دون تكلف ترتيب جديد؛ فالانشغال بالمضمون أهم من الصورة، ويعتبر ابن سينا نفسه أقرب إلى التعليم الأول من غيره وأقرب إلى غرضه في فهم المطلق. ويحذر من سوء الفهم، ومن ثم يكون اتهام ابن رشد لابن سينا بسوء تأويله لأرسطو هو نفسه اتهام ابن سينا لغيره من الشراح. وأحيانا يذكر قول المعلم الأول بدل التعليم الأول. وغالبا ما يدرس ابن سينا بنفسه الموضوع فيأتي متفقا مع التعليم الأول. ويولد القول أمثلة في ذهن ابن سينا متفقة معه. ولا بأس في ترتيب إبداعي جديد في بعض الموضوعات التي يبدو ترتيبها غريبا إن لم يكن كلها.
108
ولكن الفطن تغنيه جودة الفهم عن الترتيب. والبليد لا ينقصه الترتيب الحسن الجديد.
109
ويتضح ذلك خاصة في «الجدل» وفي «الشعر» وفي «منطق المشرقيين». ففي «الجدل» يشعر ابن سينا بالزمان والعصر واختلاف الأواخر عن الأوائل، والخلف عن السلف مع نقد الخلف المتجادلين والمشاغبين من أهل الزمان وكل زمان بصرف النظر عن المناط، هل هم المتقدمون وهم اليونان الذين كانوا أحرص على الحق منهم على المراءاة، وكانوا أمهر في فن الصناعة أم هم المتأخرون المجادلون من أهل هذا الزمان، زمان ابن سينا، المتكلمون الذين لا يهمهم إلا الغلبة؟ التعيين والتخصيص يجعل القانون خاصا، في حين أن التعميم والشمول يجعله قانونا للبشر جميعا. يرتبط الأوائل بالحق كما يرتبط الأواخر بالسلطان. يقبل الأوائل المقدمات والنتائج في حين يقبل الأواخر المقدمات دون النتائج؛ ومن ثم فهم لا يعرفون أصول القياس. ولفظ «الأوائل» له معنيان، أوائل العقل وأوائل التاريخ، وكلاهما أوائل. قد يقترب ذلك من تصور المتكلمين لانهيار للتاريخ وتناقص الفضل، جيلا وراء جيل، وأن السلف خير من الخلف
فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، وأن خير القرون قرن النبي، وأن الخلافة ثلاثون سنة تتحول بعدها إلى ملك عضود؛ فهل الأقوال تختلف من زمان إلى زمان، وطرق السؤال والجواب تختلف من عصر إلى عصر؟ فالجدل مرتبط بالثقافات وأساليبها في الإقناع به قدر كبير من الخصوصية على عكس منطق البرهان.
110
ويعبر كتاب «الشعر» عن نفس المعنى؛ فقد ذكره المعلم الأول مرتين. الأولى زمان المعلم الأول، إحساسا بالعصر والتاريخ والزمان، الأوائل والأواخر، المتقدمون والمتأخرون، إبرازا للأجيال وتراكم الخبرات، والقراءات المستمرة عبر العصور؛ فالمعلم الأول في الزمان والتاريخ. لقد تغير الشعر في التاريخ بالرغم من أن المعلم جعل الشعر أقل درجة في المعرفة من التاريخ. فهناك أشعار المتقدمين في الهجاء. أما المتأخرون فلم يكن يعملون بالحقيقة طراغوديا. وكان القدماء أقدر من المتأخرين على اللحن والوزن. وكان المتأخرون على إجادة الوزن واللحن أقدر منهم على حسن التخييل بنوعي الخرافة. كان الأولون يقررون الاعتقادات في النفوس بالتخييل الشعري. وكان الأولون القدماء يستهينون في الخرافات حتى يتوصلوا إلى الغرض، أما المحدثون فقد مهروا فيه. كان القدماء يذمون ذلك ويشبهون الشاعر المفتقر إليه والقائل به بأبي ززة (القرء) ويعني خلط القول بالأغاني والحركات.