تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يزداد الخلاف بالتعصب والتشنيع من كل فريق على الآخر، فالخلاف ليس فقط في الرأي بل يتحول إلى تحزب وتعصب وأهواء بشر وخصام وتشويه كل فريق لرأي الآخر، وانعدام العقل المستقيم والرأي السديد والميل إلى الحق والإنصاف عند الأكثرين. يكون الخلاف بسبب التطرف إلى أقصى حد وأخذ الحد الأقصى لكل فريق مع أن الأمور على التوسط إلى أدنى حد. الحقيقة وسط بين طرفين مثل نظرية الإبصار التي تقوم على الرأيين معا، شعاع من العين إلى الموضوع كما يقول أفلاطون في مقابل شعاع من الموضوع إلى العين كما يقول أرسطو. قد لا يكون هناك خلاف في الرأي بين الحكيمين مثل القول بأن العلم تذكر ولكن المؤولين يدفعون ذلك إلى أقصى حد إلى درجة التشنيع وتصحيح ذلك بأن أفلاطون يروي عن سقراط ولا يعبر عن رأيه الخاص. (7)

يرجع الخلاف إلى سوء استعمال الألفاظ وإلى ضيق العبارات كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة؛ مثل استعمال لفظ خروج وانفعال في نظرية الإبصار بين أفلاطون أو أرسطو، ولما استحال وضع ألفاظ جديدة غير المستعمل منها يكفي فقط إبراز معانيها على نحو أشرف وأعلى مما نتخيله ونتصوره. (8)

يلجأ الفارابي إلى نصوص الحكيمين في كتبهم المختلفة فلعل الخلاف فيها وسوء تأويلها أو تضاربها كما يفعل المفسر في حل التعارض بين الآيات. يرجع الخلاف إلى إخراج القول من السياق وعدم معرفة موضعه ومرتبته في العلم ويحل بإرجاعه إلى سياقه وموضعه وعلمه. (9)

سهولة التوفيق بين أفلاطون وأرسطو نظرا لنسبة أثولوجيا لأرسطو مما جعله أكثر دينية في موضوع خلق العالم ومتفقا مع أرسطو بالرغم من وضع احتمال انتحاله ثم استبعاده، على عكس ابن رشد الذي يؤكد على الانتحال. تظهر نظرية الفيض كأحد آليات الجمع بين رأيي الحكيمين في الصلة بين العقل والنفس والطبيعة وفيض الأعلى على الأدنى نزولا، وشوق الأدنى إلى الأعلى صعودا. (10)

ما ثبت في النهاية ليس التوفيق بين رأيي الحكيمين بل صحة التصور الإسلامي خاصة حدوث العالم واتفاق الحكيمين مع التصور الإسلامي، وبالتالي اتفاق العقل مع النقل، وهو نوع من الكلام الفلسفي الجديد ببيان اتفاق الوافد والموروث. ومن ثم نثبت صحة الأقاويل الشرعية من خلال الجمع بين رأيي الحكيمين. ويصبح التصور الإسلامي هو الضامن لاتفاق الحكيمين. ينتهي الفارابي من موضوع الخلاف بين الحكيمين مثل قدم العالم وحدوثه إلى التصور الكلي الديني للعالم بحيث يشمل النبوة والمعاد وليس فقط خلق العالم، والتحول من الخطاب العقلي الواضح إلى الخطاب الرمزي المضنون به على غير أهله.

والمقدمة إيمانية فلسفية خالصة. فبعد البسملة الحمدلة لواهب العقل ومبدعه، ومصور الكل ومخترعه. يكفي به إحسانه القديم وأفضاله، والصلاة على سيد الأنبياء محمد وآله. فالجو الديني الإيماني هو المدخل العام للجمع بين المذهبين. وتنتهي بعض الفقرات التمهيدية للاحق «بمشيئة الله وحسن توفيقه» أو بعبارة «الله أعلم»، وينهي بالحمدلة والصلاة على النبي خير الخلق وعلى الطاهرين من عشيرته والطيبين من ذريته.

27 (3) ضم المذهبين في تصور ثالث

وهي أعلى مرحلة في العرض الكلي، ضم المذهبين؛ أفلاطون وأرسطو، في تصور ثالث كلي شامل يجمع بينهما وكأنه قمة المثلث المتساوي الساقين أو قاعدته. مثال ذلك ثلاثية الفارابي «تحصيل السعادة»، «فلسفة أفلاطون»، «فلسفة أرسطو». فالجمع بين أفلاطون وأرسطو، وهما من الوافد، لا يتأتى إلا بطرف ثالث «تحصيل السعادة» من الموروث. النظرية العامة المتكاملة والتصور الشامل من الموروث، والمذهبان الجزئيان، أفلاطون وأرسطو من الوافد.

28

فبعد أن بين الفارابي الفلسفة عرض تاريخها، وبعد أن اكتشف بنيتها أرخ لها عند اليونانيين؛ فالتاريخ يتلو البنية، والبنية سابقة على التاريخ.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٢