تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

139

والوعد حق. وتأتي الساعة فجأة كلمح البصر وعلى غير انتظار، والخالق هو الباعث، والمحيي هو المميت. وكما بدأت الحياة أول مرة فإنها تعود ويعرج الكل إلى الله في يوم مقداره خمسون ألف سنة. واليوم عند الله ألف سنة مما يعد الناس. والزمان نفسي، ويوم البعث لا يدرك الخاسر الزمان، ويظن أنه قام بعد ساعة. ولها أسماء عديدة: يوم البعث، يوم الدين، يوم الحشر، يوم الخروج، يوم تقوم الساعة. والروح من أمر الله ولم يؤت الإنسان من العلم إلا قليلا.

140

وكل شيء مسجل، وكل ما يعمله الإنسان يجده مكتوبا. هو اليوم الفصل الذي يتم فيه الحكم بين جميع المتخاصمين. وهو ميزان عدل. وهناك برزخ بين الموت والبعث.

141

ويبدو الثواب والعقاب وكأنهما حركتان للطبيعة. يدور المحسنون والمسيئون مع حركات الأفلاك. فاشتهاء النفس والتذاذ الأعين والخلود في الجنة للمحسنين، وتبديل الجلود لذوق العذاب للمسيئين أفعال للطبيعة. فالطبيعة متجهة نحو المعاد وطريق إليه. وتؤدي إلى مشاهد القيامة والحساب، والكواكب الثابتة الحافة بالفلك التاسع هي الملائكة الحافة بالعرش. والجنة عرضها السموات والأرض، وجهنم مملوءة بالجن والناس.

142

وكما يبدأ البشر من المصدر الأول يعودون إليه. بدءوا متساوين وانتهوا مختلفين بين الهداية والضلالة. ينال الفوز بجنات النعيم عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، رحماء بينهم، ركع سجد، أشبه بأخلاق الملائكة الذين يحملون العرش، والذين نهوا النفس عن الهوى وأصبحوا أحرارا من غواية الشيطان، ولا تدري النفس ما أعد لها من نعيم. ومن يتمتع في الدنيا مع نسيان الآخرة يحرم منها في الآخرة، ومن قتر على نفسه في الدنيا فتحت له أبواب الآخرة، فالدنيا معبر للآخرة. ولا يفرح الإنسان بها كما فرح قارون من قبل إلا إذا كانت طريقا إلى الآخرة. لذلك يعاتب الله المسرفين. وكل خير يقدم في الدنيا يكون خيرا في الآخرة. فينال المؤمنون الدنيا والآخرة.

143

في الجنة ما تشتهي الأنفس. الأبرار في نعيم وفي عليين. تفتح لهم أبواب الجنات، وتسلم عليهم خزنتها، وتعرض عدة صور للنعيم، الاتكاء على الأرائك وطواف الولدان المخلدين بالأكواب والأباريق والسدر المخضوض، والطلح المنضود، والظل الممدود، والماء المسكوب، والمقعد الصدق، وكل ما تشتهيه الأنفس، والعسل المصفى. وكلها صدور لدلالات روحانية. المؤمنون هم أصحاب اليمين الذين يسعون إلى ذكر الله ويذرون البيع ويتزودون بالتقوى والعمل الصالح والتواضع في الدنيا.

144

ويعرف المؤمنون الحق، والنفس المطمئنة هي النفس الراضية التي كانت تسارع في الخيرات، وتدعو الله رغبة ورهبة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، تنظر إلى ربها، وتدخل عليهم الملائكة من كل باب لأنهم كانوا يؤمنون بالآخرة ولا يستكبرون. يحبون الله، ويوفيهم الله الحساب، ويسعى نورهم بين أيديهم، تحيتهم فيها سلام.

145

وتشير ألفاظ الفتى والفتية إلى المؤمن والمؤمنين والحكيم والحكماء. وهم خير من الخاسر والخاسرين الذين يألمون في الدنيا والآخرة. يرجون من الله ما لا يرجوه الكافرون. أعد لهم النعيم ويوفي أجر الصابرين، ويحميهم الله في الدنيا. ولا يستوي الذين يعملون والذين لا يعملون. يدخل الملائكة على المؤمنين من كل باب. تتوفاهم الملائكة طيبي النفوس. ينهون النفس عن الهوى ويتقون، ويذكرون الله بصرف النظر عن شكل الدين.

146

ويعتمد الإخوان كثيرا على الآيات القرآنية لإثبات القيامة دون تحليل عقلي كاف مثل الرغبة في الخلود، والتواصل ضد القطيعة والنهاية، وبقاء العمل والأثر في الناس استمرارا للجهد، والرغبة في أن يكون للعدل الكلمة الأخيرة على الظلم.

وأما الخاسرون فإنهم ينالون العذاب الأليم، كلما نضجت جلودهم بدلت جلودا غيرها لابثين فيها أحقابا. والعذاب ضروري حتى لو عاش الخاسر ألف عام. لا تفتح لهم أبواب السماء حتى يدخل الجمل في سم الخياط. عاشوا قرناء الشياطين، ولهم عذاب أليم. أعمالهم حسرات عليهم. ومن لا يذكر الرحمن يكن الشيطان قرينه. يودون لو يردوا إلى الدنيا كي يعملوا صالحا. فقد ظنوا أن الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بالأموال والأولاد، وكلها ظاهر وعرض وغرور، والآخرة خير وأبقى. فلا ينالون إلا السراب. يحال بينهم وبين ما يشتهون يوم القيامة. الزمان لا يعود، ولا يردون إلى الحياة الدنيا، ويعرضون على النار غدوة وعشيا. قلدوا الآخرين فانطبق عليهم قانون التبعية والتقليد أو الذبذبة بين المواقف أو تبعية الشيطان. كذبوا بآيات الله.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٠٥