تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويضع ابن رشد أرسطو في إطار أنصاره من المشائين المسلمين مثل ابن سينا إحساسا بالتمايز بينه وبينهم. ابن رشد ليس هو الشارح الأعظم لأرسطو كما سماه اللاتين بل المراجع الأعظم لمذهب المشائين وامتداداته داخل الحضارة الإسلامية، ونقد ممثليه مثل ابن سينا في النفس. وهو مذهب في غاية الركاكة من أرسطو. وكان على ابن سينا أن يراجعه ويصححه. كذلك لم يفهم المشاءون كيف يكون الواحد علة. ولا يلزمه تأويلاتهم. فالفاعل الواحد يصدر عنه فعل واحد طبقا للشاهد.

49

ولا يقال ذلك على الفاعل الأول إلا باشتراك الاسم. وذلك لأن الفاعل الأول في الغائب يقال بإطلاق، والفاعل الأول في الشاهد يقال بتقييد. لذلك جعل أرسطو الفاعل للمعقولات الإنسانية متبرئا من المادة. والمطلق والمقيد أحد مباحث الألفاظ في علم الأصول. لذلك جمع أرسطو بين الوجود المحسوس والوجود المعقول. وقال إن العالم واحد صدر عن الواحد، وأن الواحد سبب الوحدة من جهة والكثرة من جهة أخرى. كما أن الخلق يكون بالعلة الغائية أيضا وليس فقط بالعلة الأولى، بالمبدأ الأول وليس فقط بالعلة المباشرة. فأسباب الكثرة عند أرسطو من الفاعل الأول ثلاثة: العلة الفاعلة، والعلة الغائية، والعلة الصورية.

50

ويضم ابن رشد أرسطو في إطار تاريخ الفلسفة بمقارنته بأفلاطون أو بالمشائين آل أرسطوطاليس بطريقة المسلمين في عمل التسمية بإضافة «آل» وهو ما يعادل

OI

باليونانية علامة الجمع ل

OS

فيما يتعلق بقدم العالم وحدوثه كما فعل الفارابي من قبل ودون أن يشير ابن رشد إليه. فالخلاف في الأصل عند اليونان قبل أن يكون عند المسلمين. فقد قال أفلاطون بحدوث العالم ولم يكن لديه شك في أن للعالم صانعا طبقا لقراءة المسلمين. فلما قال أرسطو بقدم العالم شك أصحاب أفلاطون عليه، واتهموه بإنكار وجود الصانع. فرد أنصار أرسطو بأن أرسطو يرى أن للعالم صانعا وفاعلا. فهذه قراءة إسلامية للخلاف بين أرسطو وأفلاطون، وإعادة بناء الموقف اليوناني طبقا للرؤية الإسلامية، وانتهاء الخلاف بتبرئة أرسطو كما فعل الفارابي، وجعله يرى أن للعالم صانعا، أرسطو الإسلامي وإن لم يكن أرسطو اليوناني، أرسطو الكامل وإن كان في ثقافته ناقصا. وإن اتفاق أرسطو وأفلاطون على شيء هو اتفاق العقول الإنسانية جميعا. كل منهما يمثل أحد جوانب العقل.

51

ويضم ابن رشد صوت أرسطو مع صوت برمنيدس ومالسيس من القدماء واضعا أرسطو في تاريخ ثقافته ليبين أنه ليس موقفا خاصا بل موقفا عاما للقدماء مثل الحديث في مسألة الوحدة والكثرة. وقد ظن الإسكندر أنه عدل عن طريقة أرسطو إلى طريقة أخرى لم تخرج في الحقيقة عن المبادئ التي عرضها أرسطو. وكلا الطريقتين صحيحة. والأشهر طريقة أرسطو ولكنها عامة في حاجة إلى تفصيل. وهي طريقة واجب الوجود ويقول بها ابن رشد. فهو لا يفضل فقط طريقة أرسطو على طريقة الإسكندر ولكنه يفضل طريقة أرسطو ويطورها. فأرسطو والإسكندر يتفقان مع ابن رشد ولكن الفرق في العموم والخصوص، في نقاء تصور التوحيد. يقول الإسكندر بالقوة الواحدة (خاص)، ويقول أرسطو بالجسم البسيط (عام). ويقول ابن رشد بالوحدانية (الأعم). كما يضع ابن رشد أرسطو مع فيثاغورس في وضعه المحرك الأول عقلا أي صورة بريئة من الهيولى. لذلك لا ينفعل بشيء من الموجودات. فأرسطو موحد يمدح فيثاغورس موحدا. فقد بلغ اليونان قمة التوحيد العقلي قبل الإسلام. وقد أتى الإسلام بعد اليونان مصححا المسيحية وعقائدها ومؤكدا التوحيد اليوناني العقلي. ومن ثم يفهم ابن رشد اليونان والإسلام في إطار تاريخي، أرسطو تاريخ ثقافته والإسلام في تاريخ الثقافات القديمة.

52

فأرسطو الذي يحيل إليه ابن رشد ليس أرسطو اليوناني التاريخي بل أرسطو الإسلامي الفلسفي. ليس أرسطو المكتوب بل أرسطو المقروء على مستوى التصورات، وحدانية الله وخلق العالم أو على مستوى الألفاظ والعبارات. كل شيء في الطبيعة متقن الصنع بتدارك الله النقص فيه، لا فرق في ذلك بين قول أرسطو وتصور الإسلام. بل إن ابن رشد يعيد قراءة أرسطو مستعملا الخالق تعالى. وبالرغم من نقد ابن رشد لابن سينا إلا أنه يشعر بالتمايز بين حكمة أهل المشرق وحكمة اليونان، أهل الغرب بتعبير المحدثين. عند أهل الشرق الأجرام السماوية إلهية. ومع ذلك يضعفون طريق أرسطو في إثبات المبدأ الأول عن طريق الحركة. فأرسطو أكثر توحيدا على نحو عقلي خالص من أهل الشرق الذين يقعون في التجسيم والتشبيه والتشخيص إن لم يكن الشرك باعتبار الأجرام السماوية آلهة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ٢٣