31
وقد نبه القرآن على موضوع المعاد، وأثنى على العلماء الذين انتهوا إلى غاية الإنسان من الوجود، وخلق الإنسان لفعل مطلوب منه، ثمرة وجوده، رسالته في الحياة.
32
نبه القرآن على معنى يدركه العلماء بالفعل والتجربة، موجود في الطبيعة كواقع وفي الفعل كمعنى. ووجود الغاية في الإنسان أظهر فيه من جميع الموجودات. وتشتد حسرة النفس على ما فاتها من التزكية بعد مفارقتها البدن لأن الاكتساب مع البدن والسعي في هذه الحياة. وهناك دليلان على إثبات المعاد. الأول قياس المساوي على مساويه، البعث على الخلق. والثاني قياس الأكثر على الأقل، العودة على البدء وهو قياس الأولى بتعبير الفقهاء. والعجيب عدم الإشارة إلى الكندي أول من قال بهذا القياس والتراكم الفلسفي في القرن السادس الهجري عند ابن رشد قد وصل الذروة في «تهافت التهافت» وعند ابن طفيل معاصره في «حي بن يقظان»! وصحة إخراج الضد من الضد غير دقيقة لأن النار لا تخرج من الشجر الأخضر بل من الشجر اليابس وهو أسهل وليس أصعب. أما الدليل على بقاء النفس فهو قياس الموت على النوم، قياس الأكبر على الأصغر، والأصعب على الأسهل، والأكثر على الأقل، كما هو الحال من جديد في قياس الأولى. فالموت والنوم تعطيل لفعل النفس فلو تعطل فعلها في الموت لفسادها لا بتغيير آلتها لكان تعطل فعلها في النوم لفسادها. ولما كانت تعود بعد النوم ثبت أن تعطل فعلها ليس لفساد جوهرها وإنما هو تعطل آلتها فحسب، ولا يلزم من تعطل الآلة تعطل النفس. فالموت تعطل الآلة كالنوم. وربما كانت الآيات ببلاغتها أكثر إقناعا من هذا الاستدلال المنطقي الذي صاغه الفقهاء حول أقيسة القرآن وأقيسة الرسول.
33
والغاية من تمثل الوافد في وعاء الموروث: (1)
القضاء على الاغتراب ووجود ثقافة مستقلة خارج الإطار الثقافي العام منعا لجذبه وشق الثقافة إلى قسمين أقلية وأغلبية. (2)
إكمال الوافد، فالعقل لا يكتمل إلا بالشرع. (3)
تنشيط الموروث وتنظيره واتساعه حتى يشمل الوافد والخروج من دائرة الفقه والكلام إلى دائرة الفلسفة. (4)
تأكيد وحدة العقل الإنساني عبر الحضارات وقدرته على الوصول إلى الحكمة الخالدة، ما يتفق عليه الحضارات جميعا. (5)
تجاوز الألفاظ والتعبير عن الوافد بلغة الموروث وعن الموروث بلغة الوافد بحثا عن وحدة المعنى وتعدد الألفاظ طبقا لمنطق التشكل الكاذب وجدل اللفظ والمعنى والشيء.
ويستعمل ابن رشد تسع أحاديث في نفس الموضوعات الكلامية. منها قدسية ومنها نبوية دون الشك في صحتها، تجعله أقرب إلى الصوفية منه إلى الحكماء وهي: (1)
خلق الله الإنسان طبقا لصورته ومثاله، وبالتالي يمكن الاستدلال على صفات الخالق من صفات أشرف المخلوقات وهو الإنسان مثل العلم والحياة والقدرة والإرادة وهو أساس التشبيه، تشبيه الإنسان بالله في الصفات أو إسقاط الإنسان صفاته على الله، ومن ثم يكون الله من خلق الإنسان معرفيا كما أن الإنسان من خلق الله وجوديا.
34
وكل عقائد التأليه والتجسيم والتشبيه في علم العقائد الإسلامية تخرج من هذا الحديث، وهو شبيه بما يروى في التوراة «أن الله خلق الإنسان على صورته ومثاله» ودون أن يتعرض ابن رشد لصحته. هو حديث غيبي تشبيهي صوفي وليس عمليا تشريعا واقعيا وهي الغاية من الأحاديث، بيان المجمل وإحكام المتشابه، وتقييد المطلق. ولا يوجد في القرآن الكريم ما يؤيد هذا التصور. وقد وصف الله نفسه إيجابا وسلبا وتشبيها بالنور، وهو ما يعتمد عليه الصوفية مما يدل على تجاوز تصورات العقل وبراهينه بصور الخيال، والتحول من الخاصة إلى العامة، وإدخال الغيبيات ضمن الشرعيات، خاصة وأن الحديث ضمن المرويات من الإسراء والمعراج وبها قدر كبير من الخيال الشعبي. ولا يذكر ابن رشد درجة صحة الحديث خاصة وأنه يذكر عدة روايات له. ويحيل إلى «كتاب» مسلم الذي حولناه نحن إلى صحيح مسلم زيادة في الثقة به والتقديس له.