تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويعتمد ابن رشد في نقده للشراح دفاعا عن أرسطو على أرسطو نفسه بعد أن يكون قد درس الموضوع بنفسه حتى يحكم بين الخصمين، ويرفض اقتراح الشراح بوجود خطأ في النسخ كحل لحيرتهم وشكوكهم ما دام يمكن حل الشك عقلا بالعودة إلى نص أرسطو وحسن فهمه، وافتراض الصحة التاريخية وارد من علم الحديث وعلم أصول الفقه. يعرض حجج أرسطو وحجج الشراح، مسلمين ويونان، ثم يبين مدى اختلاف الشراح واتفاقهم مع مذهب أرسطو، ثم ينقد الشراح لمخالفاتهم للمذهب. ويبين أسباب سوء التأويل والفهم دفاعا عن المذهب بالرغم من اعتذار الكل بنص أرسطو تمحكا به. وينتهي ابن رشد إلى حسن الظن بأرسطو، ونهاية الشكوك والتأويلات الفاسدة من الشراح. وقد أتت هذه الشكوك إلى الشراح من جهة اشتراك الاسم، وهو أمر في غاية الخفاء لخفاء المعنى إذا لم يصرح أرسطو في كتاب «البرهان» بأن جهات النتائج تتبع جهات المقدمات الكبرى في مادتها وجهتها، بل من حيث صورتها فحسب. وقد أطلق أرسطو القول ونبه على ذلك.

53

مسار الفكر في التاريخ هو سوء الفهم والانحراف والخروج على الأصل الأول. وكلما توالت الأجيال فإن الجيل اللاحق يقلد الجيل السابق ويقع في أوهامه. هذا هو مصير أرسطو بين الشراح اليونان أولا والمسلمين ثانيا، من المتقدمين مثل ثاوفرسطس وأوديموس، ومن المتأخرين مثل الإسكندر وثامسطيوس وأبى نصر. ويقوم ابن رشد بمهمة تصحيح الانحراف وتصويب الخطأ، والتحول من الظن إلى اليقين، وتلك مهمة الأجيال، وفعل التقدم في التاريخ، من المتقدمين إلى المتأخرين بعد أن أضل المتقدمون المتأخرين. التاريخ قبل ابن رشد انهيار وتقليد، وبعده نهضة وإبداع. لقد أضل متقدمو الشراح، مثل ثاوفرسطس وأوديموس، المتأخرين، مثل ثامسطيوس وأبي نصر، وتابع المتأخرون وهم المتقدمين؛ فالتقليد يؤدي إلى الانهيار.

54

ويتجه ابن رشد مباشرة إلى الكشف عن غرض أرسطو وقصده مستعملا أفعال البيان. ويعاني مع أرسطو والشراح وكأنه الغزالي في «المنقذ من الضلال»، يبدأ بالشكوك، ويتحدث في ضمير المتكلم الجمع تعبيرا عن الأنا الحضاري. ويستعمل منهج التأويل لحل الشك بعد البداية بحسن الظن بأرسطو، وأن نظره أعلى من الكل. وينتهي إلى أن الغلط على الناس من جهة اشتراك الاسم طبقا لمبحث الألفاظ عند الأصوليين. كما يستعمل المنهج الرياضي في المطلوب إثباته؛ فرض المقدمات، ثم الاستدلال ، ثم النتيجة.

55

وقد خطأ فريق آخر من الشراح، مثل ثاوفرسطس وأوديموس وكثير من قدماء المشائين، أرسطو في جعله النتيجة تابعة لجهة المقدمة الكبرى في المقاييس المختلطة من الوجودية والضرورية، وأرادها تابعة لأخس المقدمتين. الخلاف في الرؤية بين أرسطو وشراحه في سلم القيم، القيمة الأعلى عند أرسطو، والأدنى عند الشراح، وكأن المنطق أيضا يخضع للقيمة.

وفي المورث يتقدم الفارابي ثم ابن سينا.

56

خالف الفارابي الشراح اليونان في جعل النتيجة تابعة لأخس المقدمتين وجعلها تابعة للأشرف. كما شارك الإسكندر في جعل المطلقة هي الوجودية المخصوصة في الوقت. وسبب خطئه عدم فهم معنى المقول على الكل عند أرسطو، وشكه عليه كيف يشترط أرسطو إنتاج القياس من جهة صورته ما يوجد في مادة دون مادة. ويستعمل ابن رشد برهان الخلف لتفنيد حجة الفارابي؛ فلو كان هذا من شرط المقول على الكل لما نتج القياس من الممكنين. إن شرط المقول على الكل عند أرسطو في الكبرى هو ما يقره الفارابي. خطأ الفارابي ليس في القصد الحضاري الكلي مثل خطأ ابن سينا، ولكن في الجزئيات والاستدلالات. خلاف ابن رشد مع الفارابي خلاف الصديقين، ومع ابن سينا خلاف العدوين. خطأ الفارابي من الداخل، وخطأ ابن سينا من الخارج؛ فقد أخطأ ابن سينا في استعمال حجج أرسطو لمخالفته في تبعية النتيجة لأشرف المقدمتين، وجعلها ابن سينا والشراح تابعة لأخس المقدمتين. وتغيب المقدمات والخواتيم الإيمانية من هذا المقال نظرا لطابعه المنطقي الصرف؛ لذلك يعيب ابن رشد على الشراح النصارى، مثل يحيى بن عدي، خلط أرسطو بالدين.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ٩١