76
ويتضح المسار الفكري في وضوح القصة وتحديد الغاية والهدف، وعدم الخروج على الموضوع، والتنبيه على الاستقراء، والعود إلى الموضوع، وبعد استيفاء مرحلة يعد مسكويه ببيان الجزء الثاني فيما بعد، بعد الفراغ من هذه المرحلة. وبعد استيفاء الموضوع يكتفي بهذا القدر منه. ويحيل إلى السابق تأكيدا على وحدة العرض والموضوع؛ فالفكر له مساره ومراحله ، في الماضي والحاضر والمستقبل، كخطوات في منطق الاستدلال، وانتقالا من العام إلى الخاص. كل ذلك في تجربة مشتركة بين المؤلف والقارئ، وفي عمل مشترك؛ فالعلم قضية، والقضية واحدة. العلم عالم شعوري مملوء بالشجون والهموم التي تعبر عن نفسها في أقواس وافتراضات مطلوب نفيها أم إثباتها. الرسالة وحدة موضوعية واحدة، يحيل المتقدم فيها إلى المتأخر، أهم ما فيها الجزء العاشر من السؤال، نهاية المطاف، وأطول الأقسام.
77
وقد تم تقطيع النص من الناسخ عدة مرات، والإعلان عن لقبه واسمه مع الترحم عليه،
78
وأكثرها قال أبو علي رضي الله، ولا يذكر قول أحد بإحدى صيغ فعل القول إلا ويرد عليه مسكويه بقول في صيغة المفرد «أقول»، أو الجمع «قلنا». ويقوم مسكويه بتقطيع السؤال حتى يتم تفنيده جزءا جزءا، يشرح القول الداخلي من السائل ثم القول الخارجي من أرسطو.
79
ونظرا لصعوبة معرفة الترتيب الزماني لأعمال مسكويه إلا إذا أشار هو إلى ذلك، فإن «في اللذات والآلام» و«في النفس والعقل» يدلان على عمق ونضج؛ مما يدل على بداية التحول من النقل إلى الإبداع، من إخوان الصفا والتقابل بين العالم الكبير والعالم الصغير، حتى ابن رشد والتفرقة بين الأقاويل الجدلية والخطابية.
80
| رابعا: ابن سينا، والبيروني، وابن الهيثم
(1) ابن سينا
وتمثل بعض رسائل ابن سينا والبيروني هذا النوع الأدبي، تمثل الوافد قبل تنظير الموروث. (أ) ففي الرسالة «الأضحوية» لابن سينا (428ه)، يذكر أرسطو أولا، ثم أفلاطون، ثم فيثاغورس، والإسكندر حكيم اليونانيين،
1
كما يذكر برزجمهر من الوافد الشرقي، وثابت بن قرة، مبينا الواقع المحلي، واعتمادا على الترجمة وعصرها.
يذكر أرسطو في معرض مناقضته القائلين بالتناسخ من أجل إبطاله، والاستشهاد به في إثبات أن النفس ليست من المفارقات، وإثبات خطأ ذلك في ما بعد الطبيعة. وإذا كانت في حال تفارق المادة فليست من الهيئات المتعلقة بالمزاج البدني؛ وبالتالي ليست حادثة بحدوث البدن. وقد ذكر أرسطو في كتاب «النفس» أنها صورة للبدن وكمال له، وعدم اتفاق الأنواع في الصورة الفضلية بالكمال؛ فمن قال إن النفس تدخل بدنا غير الإنسان فإنه جعل صورة الزمان جائزة أن يدخل فيها آلهة الشجر. يحارب أرسطو هنا معركة ابن سينا لأبطال التناسخ، كما يحارب ابن سينا معركته على لسان أرسطو. يبين ابن سينا جوهرية النفس في شرحه لكتاب أرسطو، والذي يبين فيه أن النفس الإنسانية، وهي النفس الناطقة، ليست منطبعة في مادة، ولا قائمة بالجسم؛ فالشرح لا يعبر فقط عن المشروح بل عن الشارح، واستعمال المشروح، وهو أرسطو، لشرح موقف الشارح، وهو ابن سينا. أرسطو هو الشارح لابن سينا، هو الجهاز العقلي الأمثل لتوضيح رأي ابن سينا.
2
الشرح خطوة نحو التأليف وتمهيد له. ذكر ابن سينا أرسطو دفاعا عن شرحه الخاص ضد أخطاء الشراح اليونان مثل الإسكندر؛ فالمسلمون أكثر فهما لأرسطو من الشراح اليونان؛ فقد ظن الإسكندر أن النفوس الناقصة على الإطلاق تفسد بفساد البدن، وهو غير صحيح، ولا هو مذهب أرسطو؛ لأن النفس باقية اضطرارا. وقد اعتمد عليه القائلون بتناسخ النفوس الناقصة بأن السبب فيه طلب الكمال بتوسط الآلات البدنية، كما قال حكيم اليونانيين إن النفس هبطت لترثاش.
3
ويئول ابن سينا آراء أفلاطون وفيثاغورس في التناسخ على أنه رمز وتخييل وتصوير، أي أنها أقوال أدبية، دفاعا عن موقف أرسطو. والتأويل منهج إسلامي لرفع التناقض بين النقل والعقل، بين أفلاطون وأرسطو. كما يستعمل ابن سينا دفاعا عن أفلاطون وبرزجمهر التشكك في الروايات المنقولة عنهما المتعلقة بالتناسخ، وهو أيضا منهج إسلامي في التيقن من صحة الأخبار أولا قبل تفسيرها أو تأويلها. ويختتم ابن سينا بثابت بن قرة بمذهب عجيب، انفصال النفس عن البدن في جسم لطيف. ويعتبر ذلك مجرد رمز أو صورة في حاجة إلى تأويل مثل أفلاطون وفيثاغورس. فالمترجمون فلاسفة أيضا، ويتفقون معهم في إبطال القول بالتناسخ. تلك صورتهم عند الفلاسفة، وليس مجرد نقلة. والأحرى أن تكون هذه أيضا صورة الحكماء عن أنفسهم وليس فقط عن غيرهم.