تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

36

ويذكر مسكويه امرأ القيس والنابغة في معرض الحديث عن الشعر وصلته بالأخلاق، وهو الموضوع الشهير في سورة الشعراء عن الصلة بين الشعر من ناحية، والغواية والخيال والفصل بين القول والعمل من ناحية ثانية؛ فرواية الشعر الفاحش وقبول أكاذيبه واستحسان قبائحه ونيل لذاته، كما هو الحال في شعر امرئ القيس والنابغة، ثم إقرار ذلك من الرؤساء، وإجزال العطايا للشعراء وأقران السوء الذين يساعدون في اللذات الجسمانية؛ ومن ثم يحذر مسكويه من معاشرة أهل الشر والمجون، والمجاهرين باللذات وركوب الفواحش، والمفتخرين بها، والمنهمكين فيها، أو الإصغاء إلى أخبارهم ورواية أشعارهم وحضور مجالسهم؛ لإضرار ذلك بالنفس، بحيث لا يكون علاجها بعد ذلك صعبا، ويحتاج إلى زمن أطول. وكانا سببي فساد الفاضل المحنك، وغواية العالم المستبصر، وفتنة للحدث الناشئ الذي يتوق إلى النصح والإرشاد. ويحذر النظر في الأشعار السخيفة التي تذكر العشق وأهله، والذي يوهم بأنه ضرب من الظرف ورقة بالطبع معه مع أنه مفسدة للأحداث، إنما تتطلب الأخلاق سماع محاسن الأخبار والأشعار التي تبعث على الأدب وحفظها. وينقد مسكويه لا أخلاقية الشعر، وارتباطه بالشرب والمجون، والتكسب به عند الأمراء. وفي نفس الوقت يطالب الأطفال بحفظ الشعر الجيد القائم على الأخلاق.

37

ويستشهد مسكويه بالشعر المرسل غير المنسوب فيما يعن له من موضوعات أخلاقية، مثل الحديث عن الإنسان وأنه أشرف الموجودات، ونقد المبالغة والتقصير كطرفي نقيض، والحذر من عداوة الصديق، وعدم الخلط بين الحقيقة والزيف، بين السمنة والورم، وفي نقد المزاح والحذر منه؛ فالشعر نوع من الإحسان العرضي، وليس الباقي الذاتي، ويكون سفها وغضبا ورذيلة إذا ما كان رفضا للطبيعة وهجاء للقمر. أما الأمور الممكنة فإنها مدعاة للخوف، سواء وقعت أو لم تقع.

ويستدعي مسكويه تاريخ الأنبياء، أيوب، وإبراهيم، وقارون؛ فأيوب نموذج للبلايا التي لا تخرج الحكيم عن مرتبة السعادة التي وصل إليها، وأموال وكنوز قارون لا تغني عن قدر المودة، ومن أحب الله وتقرب إليه يصبح مثل إبراهيم خليل الله.

38

ويستشهد مسكويه بالموروث الأصلي، القرآن والحديث،

39

ويعظم الآيات القرآنية ذات المنحى الإشراقي التي يستشهد بها الصوفية، وتتكرر آية واحدة ثلاث مرات تعد الأخيار بما أعد لها من قرة أعين، أو تصف واقع إيمان أكثر الناس بالله وهم مشركون، أو استعارة بعض أمثال القرآن، مثل رجلين لأحدهما جنتان من أعناب فأصبحت خاوية على عروشها مما أنفق، ومثل الحياة الدنيا كالماء من السماء المختلط بالأرض فيصبح هشيما تذروه الرياح في موضوع العجب والافتخار، إلا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون في موضوع الحزن. وتبين الأحاديث أن الإنسان أشرف الجواهر، وأنه فرد بين المجموع، كالراحلة بين الإبل، وأن الناس سواسية كأسنان المشط أو الحمار، يتفاضلون بالعقل، ولا خير في صحبة لا يعرف فيها فضل الصاحبين، ورجحان أمة الإسلام على باقي الأمم، وأن النخل من طينة آدم احتراما للزرع، وأن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأن الناس بأعمالهم لا بأنسابهم، وأن المزاح المعتدل محمود؛ فقد كان الرسول يمزح ولا يقول إلا حقا. وبصرف النظر عن صحة هذه الأحاديث تاريخيا إلا أنها جزء من المخزون النفسي الجماعي.

40

وأخيرا تظهر المقدمات والخواتيم التي تعبر عن البيئة الدينية للتأليف، مثل البسملة والحمدلة، وطلب التأييد من الله، فالخير بيده، وهو نعم الوكيل، والبداية بعون الله، فالرسول هو النموذج التطبيقي للتهذيب والتربية الإلهية، وإلى الله يتوجه مسكويه بالدعوات وطلب الرضا واستجداء العون، ويبدأ كل مقالة بمعونة الله.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ٤٩