تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والموروث الغالب هو القرآن والحديث. والغالب على الآيات، آيات المعجزات والسحر وغرائب الطبيعة وعجائب الكون، أو آيات النور والإشراق والإيمان، أو آيات الكون، الخلق والبعث، أو آيات المعاد؛ فلا فرق في الكون بين الدنيا والآخرة. ويتحول القرآن إلى آيات سحر ومعجزات لشفاء الأمراض بكتابتها في الأحجية والطلسمات. ويتحول التنجيم إلى الطب. ومعظم الأحاديث موضوعية عن الحروف والأرقام والكتب المنزلة. وتدخل الإسرائيليات، ليس فقط أنبياء بني إسرائيل، آصف بن برخيا، وسليمان وموسى، بل كل الأنبياء الذين كانت لهم علاقة بالخوارق والمعجزات؛ فالدين واحد.

ومن الموروث يذكر أبو معشر البلخي، ثم أبو العباس البوني وقسطا بن لوقا وعلي بن أبي طالب، ثم ابن سينا والخازن والأصفهاني وابن سبار والجمعيني والقمي والخياط والغزالي وجابر بن حيان الصوفي والكوفي والحامدي وأبو سعيدي. وواضح تداخل الفلاسفة مع الصوفية والعلماء والصحابة في رؤية واحدة، العلمية الصوفية.

43

وأسماء البقاع كلها عربية لا يونانية. وتكثر البسملات والحمدلات، وكأن الإيمان الديني قادر على فك أسرار الطبيعة. كما تتردد عبارة «الله أعلم» مما يوحي بالأسرار، وباتساع محيط العلم.

وهو كتاب تجميعي شامل، يبدأ بالفلك وينتهي بالطب والكيمياء. يعتمد على نصوص سابقة يعاد توظيفها واستخدامها في الهدف الجديد الذي يعبر عنه العنوان، كشف الأسرار الخفية في علم الأجرام السماوية. وقد يساهم الناسخ في التجميع؛ فالهدف هو ملء القالب وليس المادة. ويبدو ذلك في الجزء الرابع عن الحروف الرقمية المقتبس من كتب أخرى لنفس المؤلف، مثل كتاب الاقتباس.

تغيب عنه البنية، ويخلو من الأبواب والفصول، بل يخلو من ترقيم الصفحات، مكتوب بخط اليد، بالأسود والأحمر، وعلى ورق مطرز محشي بالزخارف، مملوء بالرسوم التوضيحية والجداول بالحروف والأرقام. وتتخلله عبارات غامضة مثل عبارات «شمهورش » في الثقافة الشعبية لتوحي بعالم الأسرار وحديث الجن. ويعتمد على أسرار الحروف. وهو ما يوحي به الجزء الأخير من العنوان «والرقوم الحرفية»، والتقابل بين أسرار الحروف وأسرار الأرقام.

ولا يخلو الكتاب من سجال ضد علم النجوم كعلم طبيعي ينكر أن تكون الأفلاك كائنات حية ناطقة. لم يستمر من الفلسفة القديمة المنطق، بل من أضعف أجزاء الطبيعيات، وهو علم التنجيم، بالرغم من تفرقة الفارابي في البداية بين العلمين، ونقد علم التنجيم في «ما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم». ولا يظهر من موضوعات الفلسفة القديمة إلا فيما ندر، ودون أساس علمي أو فلسفي، مثل علم الله بالجزئيات.

ويخاطب المؤلف القارئ على عادة المؤلفين المسلمين، خاصة إخوان الصفا، من أجل تجنيده للدعوة؛ فليس الهدف هو المعرفة النظرية، بل الإرشاد العلمي.

ويحال إلى أعمال أخرى مشابهة؛ مما يدل على أن «كشف الأسرار المخفية» ليس حالة فريدة أو مؤلفا واحدا، بل يدل على تيار عام في القرون المتأخرة، في الفترة الثانية من تطور الحضارة الإسلامية ما بعد ابن خلدون التي حلت فيها الذاكرة محل العقل، والشرح محل المتن، والخيال بدل الواقع، والخرافة بدل العلم.

44

وكما بدأ العرب شعراء، ثم أصبحوا مفكرين وعلماء، انتهوا إلى شعراء؛ فغلب الشعر على العلم، ووجد العرب في ثقافتهم الأولى هويتهم الأخيرة، وكأن العلوم القديمة التي نشأت في الفترة الأولى للحضارة الإسلامية كانت مجرد قوسين كبيرين.

الهدف منه السيطرة على عالم الأفلاك والكواكب من أجل إعادة السيطرة على العالم عن طريق أثر الأعلى في الأدنى، وعالم السماء في عالم الأرض، والروح في البدن؛ فالعجز عن تأسيس العلم الطبيعي والسيطرة على العالم يتحول إلى التأثير فيه عن طريق السحر من خلال الكواكب والأفلاك، والملائكة والأرواح، والجن والشياطين، كما هو الحال في قراءة الطالع، والسعود والنحوس، طبقا للأبراج في الثقافة الشعبية؛ لذلك تظهر لغة الملوك والسلاطين والرؤساء كما هو الحال عند الصوفية وألقاب الأقطاب والأبدال؛ فمنهم تنشأ السلطة وتصدر الأوامر، وما على الناس إلا السمع والطاعة. ويكثر استعمال لفظ «التسخير»، وهو مفهوم قرآني، تسخير الله الطبيعة لصالح البشر عن طريق العلم بقوانين الطبيعة، وهنا عن طريق السحر وتأثير القوى الروحانية في مسار الطبيعة وأحداث الواقع والتاريخ.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ١٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ١٣٢