29
ويضم الوافد على الموروث دون أي استعلاء حضاري من طرف على آخر. ولا يذكر دين الفيلسوف لأن الحضارة وحدت بين الطوائف والملل. لذلك تم وضع غير المسلمين، البابليين والحرانيين (الصابئة)، واليهود والنصارى مع المسلمين. ومن أعمال الموروث شرح الوافد. فلا يوجد حكيم إلا وشرح الوافد وإلا كان متكلما أصوليا صوفيا.
ويتصدر أرسطو الوافد ثم يأتي أفلاطون في المرتبة السادسة ثم جالينوس وسقراط في المرتبتين السابعة والثامنة، ثم أسقليبيوس في المرتبة التاسعة، ثم أبقراط في المرتبة الثالثة عشرة، ثم إقليدس في المرتبة الخامسة عشرة.
30
ويعرض أعمال أرسطو كتابا كتابا مع شراحه العرب مثل يحيى النحوي واليونان مثل أيامليخس، أراسيس، أرمينس، أوديموس.
31
بل يتم تحليل مقالة مقالة في الكتب الطبيعية. وأحيانا تذكر مجرد معلومات بلا دلالة مثل مقالات أنكساجوراس المنقولة في مدارس التعليم. ولا فرق بين اليونان والرومان. فالفيلسوف اليوناني هو الفيلسوف الرومي. فالرومي تجمع بين الصفتين دون تمييز بين اليونانية واللاتينية. ربما كانت لغة اليونان هي السائدة حتى عند الرومان مثل مدرسة الإسكندرية.
وأحيانا يوضع الوافد في مجموعات تمثل مدارس فكرية مثل الحكماء الخمسة: أنبادقليس، فيثاغورس، سقراط، أفلاطون، أرسطو، بصرف النظر عن الترتيب الزماني. ويتم الحديث عن سقراط داخل أفلاطون فكلاهما ينتسبان إلى مدرسة واحدة. ويكون الحكماء عناصر متعددة داخل المذهب الواحد. فأرسطو الطبيعي أكمل أفلاطون الرياضي. بينما مال سقراط بالمدرسة نحو النفس منتقلا من الفلسفة الطبيعية إلى الفلسفة الخلقية. ويضع القفطي الفلسفة اليونانية في إطار لغتهم وبيئتهم وتاريخهم.
32 (3)
ويستمر تدوين التاريخ بطريقة أسماء الأعلام في «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (681ه)، وكما يدل عليه العنوان،
33
أي ذكر المشاهير بصرف النظر عن أنواعهم وإعطاء أنباء عنهم. فقد تحولت الفلسفة إلى فلاسفة، وتاه الفلاسفة وسط الأعلام ومشاهير الرجال، الخلفاء والملوك والأمراء والقواد والأدباء. ودخل الفلاسفة حتى ابن سينا ضمن مشاهير الرجال، مجرد أخبار وروايات شفاهية أو مدونة. انتهت الحكمة لصالح التاريخ. كما يصعب معرفة أسماء الحكماء غير المشهورين وسط المشاهير الغر الميامين. لذلك كثرت ألقاب الملك، الحاجب، المؤرخ، الكاتب، القاضي، المتكلم، الشاعر، قائد الأعنة في أفريقيا، أمير الجيوش، الغازي، إمام الحرمين، الوراق. وقلت ألقاب الحكيم، الفيلسوف. والأولى أن تغيب المؤلفات والأقوال ما دامت الغاية هي إعطاء أنباء أبناء هذا الزمان. وقد لا يذكر الباحث لشخصه بل لعلاقته بآخر. ومن يذكر لشخصه تكون صفحاته متصلة. وتكشف كل التراجم عن صورة الثقافة في الوعي الجماعي الذي يمثله وعي المؤرخ. وكلهم من الرجال، ولا أحد منهم من النساء بلغة العصر.
والترتيب الأبجدي لأسماء الأعلام ترتيب عرضي. ومع ذلك لا يخلو من بعض الدلالات مثل الترتيب الزماني الذي يكشف عن الطبقات كما هو الحال في الحوليات بالرغم من غياب البنية للفرق والمذاهب، وبالرغم من غياب التفاعل بين الموروث والوافد ومناطق الإبداع الحضارية. لذلك كان فهرس الأعلام أكبر الفهارس ثم القوافي مما يدل على أهمية الشعر، ثم الكتب المذكورة في المدن مما يدل على أهمية المصادر، والأماكن مما يكشف عن البيئة الجغرافية، والتراجم مما يدل على أهمية الأسماء المذكورة، والجماعات والقبائل والطوائف مما يدل على أهمية الانتساب القبلي، وأخيرا الألفاظ المضبوطة مما يدل على قدم التاريخ.
34
فبالنسبة للتراجم يتضح تصدر الموروث على الوافد على الإطلاق لدرجة أن الوافد ليس له ذكر. يتصدر صلاح الدين الأيوبي مما يدل على أهمية الحروب الصليبية ثم أبو يوسف الصفار الخارجي مما يدل على أهمية الخوارج وقوادهم والتفاوت في الأهمية بين صلاح الدين الذي يمثل ثلاثة أضعاف والصغار ثم يوسف بن تاشفين ويحيى بن أكثم مما يبين أهمية الدعاة والحكام والصوفية ثم جعفر البرمكي ثم الحلاج في المرتبة السادسة مما يدل على حضور التصوف في الوعي التاريخي. ولا يظهر فيلسوف مثل ابن سينا إلا في المرتبة السادسة عشرة، بعده الرازي الفيلسوف والفارابي، ثم الغزالي، ثم ثابت بن قرة وخالد بن يزيد وابن باجة، ثم حنين بن إسحاق. في حين يغيب الكندي وابن طفيل وابن رشد. ويأتي أبو حنيفة في المرتبة الحادية عشرة، والسهروردي في المرتبة السابعة عشرة قبل ابن سينا.