112
ويرى ابن سينا من شيعة أفلاطون (وليس أرسطو) الدهري اليوناني. وقد قال بعض الملاحدة منهم إن العقول متفاوتة، وكأن تفاوت العقول، وهو أمر مقرر في العقل والشرع، مدعاة للإلحاد.
113
وبعد تكفير كل الفلاسفة شرقا وغربا ومسلمين يعتمد الخوارزمي المتأخر على الصحابة والفقهاء، خاصة الشافعي وأبا حنيفة، مع تفضيل الشافعي لأنه هو الذي جعل السنة المصدر الرئيسي. فالقرآن معروف من السنة، والإجماع يقوم على السنة، والسنة لها الأولوية على القياس حين التعارض. وتتوحد الشافعية مع الأشعرية منذ القرن الخامس بفضل الغزالي حتى الإصلاح الديني.
114
حل الفقهاء والصحابة محل الفلاسفة والعلماء الذين لا يكاد الكتاب يذكر أيا منهم. ويكثر من نوادر الفقهاء بدلا من نوادر الفلاسفة.
115
وتخضع أدعية الصحابة مع أدعية الأنبياء تقديسا للماضي، وكأن قضاء الحاجات بالأدعية لا يشرع للكسل ومضاد للعقل والشرع.
وينتهي الكتاب بفتن آخر الزمان وما يحدث فيه وأشراط الساعة، وحوادث آخر الزمان، عندما يتمنى كل إنسان الموت، ويكون الأخير هو الأشر. وتحدث الوقائع العظام وفتنة الخوارج.
116
ويمتلأ الكتاب بالعبارات الإيمانية في أواخر الكتب والفقرات. فالله أعلم، وهو أعلم بالصواب، وهو أعلم وأحكم، وهو المستعان والموفق، والملهم كل شيء بإذنه ومشيئته، والحمد لله أولا وآخرا.
117
وكالعادة في هذه العصور المتأخرة يتم التوحيد بين الله والسلطان. كما يظهر في أسلوب الكتاب الرغبة في التسلط منذ البسملة والحمدلة للقاهر المعز له المذل، السلطان الرافع الخافض، المقدر الواحد الذي يخضع له الجميع طاعة وإذعانا ووضاعة وتبعية.
118
ويتم الدعاء للاثنين بنفس البنية الذهنية والتوجه النفسي والدلالة السياسية. كما يتضمن الأسلوب نصائح من عل تدل على التسلط والتوجه والإدانة وليس تفكيرا وتحليلا. ويتحول التسلط الديني إلى تسلط سياسي، والتسلط السياسي إلى تسلط اجتماعي اقتصادي. فإذا كان الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر، إلا أن الفقير الصابر له الجنة. وعلى المؤمن الرضا بقضاء الله وقدره.
119
ويكشف تأويل الآيات عن البنية النفسية الاجتماعية للقاهر والمقهور؛ بل إن الكتاب كما هي العادة في العصور المتأخرة قد كتب للسلطان. وما أكثر ما كتب للسلطان!
120
وتعقد مناظرة بين العقل والدولة تبين ميزة كل منهما، واتهام كل منهما الآخر، ثم محاولة التوفيق بين الاثنين مما يدل على أن هم المؤلف كان في تدوين العلوم؛ أي العقل، والمحافظة على السلطة؛ أي الدولة. فالعقل يصوغ الخطاب والدولة تمهد سبل العيش. العقل أساس الإسلام والدولة مناط بقاء الدين والدنيا. العقل يأمر وينهى، والدولة تبقى وتفنى. العقل حجة الله، والدولة عطاء الله. العقل صاحب الأنبياء، والدولة ذراع الأنبياء. دون العقل تكون البهيمة، ودون الدولة يكون الموت. العقل مذكور في القرآن، والدولة مذكورة أيضا في القرآن:
كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم . ولا تعني دولة في الحقيقة دولة بالمعنى الحديث، بل مجرد التداول بين أيدي طبقة الأغنياء. ومع ذلك هناك اتهامات متبادلة بين العقل والدولة، بين سلطة العلماء وسلطة الأمراء، بين الفيلسوف والمال بتعبير القدماء. يتهم العقل الدولة بأنها حرمان وهموم وأحزان، وتتهم الدولة العقل بأنه يعطي مجرد ثقافات حسنة. يتهم العقل الدولة بأنها قدرة وجاه وتسلط، وتتهم الدولة العقل بأنه لا يعطي إلا ثقافات نسبية. يتهم العقل الدولة بقبولها مشاركة الكفار فيها، وتتهم الدولة العقل بأنها عقل فرعون. وأخيرا تتم المصالحة بينهما؛ فبدون العقل كدر الآخرة، وبدون الدولة نكد الدنيا. فالعقل رباني، والدولة سماوية؛ ومن ثم يحتاج الناس إلى العقل والدولة؛ أي إلى اجتماع السلطة الدينية والسلطة السياسية في دولة الخلافة.