تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

84

وأحيانا يكون الوافد مجرد تاريخ وخبر بلا دلالة أو توظيف، بقايا معلومات قديمة بلا علم مثل الإشارة إلى كتاب أرسطوطاليس باعتباره من الكتب الناقصة في العلم الطبيعي، وإلى أبقراط الحكيم باعتباره أول من دون الطب. ولا يوجد أعلم بعد أرسطو في العلم الطبيعي من أبقراط وجالينوس، وذكر علم الفراسة لأقليمون، وعلم المرايا المحرقة لدنوفلس، وعلم جر الأثقال وبرهان إيرن، وكتاب المساحة لإقليدس وعلم المناظر مختصر لكتاب إقليدس، وكتاب المجسطي لبطليموس. ومن الكتب النافعة علم الأكر المتحركة، أكر مالاناوس، وأكر ساوذوسيوس. ومن الكتب القديمة كتاب تسطيح الكرة لبطليموس، وكتاب بروش في علم تدبير المنزل.

85

وهي كلها كتب نافعة في علومها دون أي عرض نظري لأهميتها من حيث هي علم. وهي مجرد تطبيقات عملية لعلوم لا تهم أسسها النظرية. وتذكر بعض كتب الموروث الشارحة للوافد مثل تحرير خواجة نصير الدين الطوسي لكتاب إقليدس.

86 (3) تصنيف العلوم

وإذا كان تقسيم العلوم قد بدأ عند ابن النديم بأولوية علوم العرب قبل الإسلام، اللغة والشعر على علومهم بعد الإسلام، فإن القرن السابع شاهد طغيان ذلك حتى أصبح اللغويون وحدهم هم العلماء. (أ)

حدث ذلك في «مفتاح العلوم» للسكاكي (626ه)؛

87

إذ تنقسم العلوم إلى ثلاثة أقسام: الصرف، والنحو، والمعاني والبيان (البديع، الاستدلال، العروض، القافية).

88

وكلها علوم اللغة والشعر، علوم العرب ونهاية علوم العجم، الموروث ونهاية الوافد، الجاهلية الأولى ونهاية علوم الحضارة العقلية والنقلية والعقلية النقلية. تعود الحضارة إذن إلى أصلها الأول الذي خرجت منه، اللغة والشعر، والذي حاول الوحي وراثتهما وتطويرهما إلى علوم إنسانية. ويأتي علم الأصوات في مقدمة علوم اللغة كما هو الحال في اللسانيات الحديثة في الغرب مع الإحالة إلى أئمة اللغة ابن جني وسيبويه والخليل.

ويظهر القرآن باعتباره الميدان التطبيقي لعلم اللغة. شعار الكتاب آية:

كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون . فالقرآن لغة عربية مكتوبة بلغة العرب. وإذا كان فيه شواذ، فالشواذ في اللغة والعروض. القرآن حجة لغوية على غيره. لا يصحح القرآن طبقا لقواعد اللغة، بل تصحح اللغة طبقا للغة القرآن. القرآن والشعر شواهد لغوية. وخير تفسير للقرآن هو التفسير اللغوي. وكأن الإنسان في حاجة إلى كل هذه القواعد اللغوية لفهم القرآن، وكأن العلم علم مستقل بذاته مثل عالم الخطاب في علم تحليل الخطاب في الغرب المعاصر.

89

ويظل القرآن نموذج الشعر العربي وأوزانه. والآيات القرآنية على أوزان الشعر العربي وقوافيه.

90

فالقرآن لغة وشعر طبقا لقواعد اللغة وبحور الشعر. وتذكر الآيات القرآنية بالمئات كشواهد خاصة في علم المعاني والبيان في مقابل حديثين نبويين. كما تكثر العبارات الإيمانية التي يرد فيها العلم البشري كله إلى العلم الإلهي.

91

ولم يبق من الوافد الذي يتراءى عن بعد من ذكريات الماضي البعيد إلا أسلمة جالينوس مرة واحدة؛ فقد كان ماهرا في الطب، وختم القرآن في التراويح سنة. ويشير إلى كتاب «الجواهر» وإلى «صوان الحكم» دون تحديد السجستاني أو البيهقي.

92

لا يعني ذلك أن السكاكي عالم لغة قدير فحسب؛ بل له دلالة حضارية أعمق في تطور العلوم وتصورها وتدوين التاريخ. (ب)

وكما وضعت علوم اللغة والشعر حدا للعلوم العقلية بل والنقلية، سطت العلوم النقلية على العقلية في «مفيد العلوم ومبيد الهموم» للخوارزمي المتأخر. والفلسفة في الحالتين هي الخاسرة. وبصرف النظر عن المؤلف، وهل الكتاب منحول عليه أم لا، وبصرف النظر عن مكانه مغربيا أو شاميا، فإن النص دال على عصره المتأخر، خاصة بحديثه عن الإفرنج.

93

ولا يوجد تصور لتقسيم العلوم إلا من رصد اثنين وثلاثين كتابا دون ترقيم مما يدل على غياب النسق، معظمها موضوعات فقهية داخل علم الفقه.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ٨٧