تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع ذلك يظل السؤال: ما مقياس الاختيار؟ ربما كان الفيلسوف معروفا في عصر المؤرخ ولم يعد معروفا في عصر لاحق؛ فالوعي التاريخي يتغير في مضمونه وأشكاله وصوره. لذلك تكثر الأعلام التي قد تكون بلا دلالة لنا باقية في وعينا التاريخي المعاصر. وبعض التراجم لها دلالات قصيرة للغاية لا ترتكز على شيء. وقد تكون الترجمة للنخبة وليس للطبقة المتوسطة أو الدنيا. وقد كان المتكلمون من الحرفيين يعيشون في الأسواق، النجار والغزال والحداد والإسكافي. وربما كان هناك فلاسفة لم يعرفهم المؤرخ، ولم يعرفوا هم أنفسهم أحدا بوجودهم. وفي مقابل ذلك يوجد تضخيم لبعض الأعلام مثل المغالاة في مدح الخوارزمي.

وتغيب فلسفة التاريخ من مجرد ذكر أسماء الأعلام وكما هو الحال في القواميس المعاصرة. فلا يوجد ترتيب زماني لا يدل على الارتقاء في الزمان ونشأة الوعي التاريخي. والترتيب الأبجدي عفوي عرضي لا يدل على شيء، والترتيب القومي لا يدل إلا على الوعي القومي، وهو ما يغيب عند البيهقي نظرا لاشتراك الأقوام جميعا في صنع حضارة واحدة تقوم على التعدد. لذلك كان من الطبيعي أن تكون دراسة العلوم أو المذاهب أو الموضوعات أكثر دلالة على التاريخ وكشفا عن الوعي التاريخي وهو يدون نفسه.

ورسم صور للفلاسفة ليس تاريخا موضوعيا قاموسيا، بل هو تصور لهم، إعادة بناء لوجودهم في الوعي التاريخي. فما عناصر الصورة؟ وما آليات تكونها؟ لا تهم الحقيقة التاريخية للحكماء بل صورهم في أذهان مؤرخيهم كما تعبر عن الوعي الجمعي. ولا فرق في ذلك بين أن يكون الرازي صائغا (البيهقي) أو مفتيا (ابن أبي أصيبعة). كانت غاية البيهقي كتابة مصنف جديد لعدم رضاه عن التأليف في هذا النوع في عصره.

49

وتدل الصورة التي يرسمها البيهقي على صور الفلاسفة في عصره. وربما لا تطابق هذه الصورة الواقع التاريخي الذي يصعب معرفته. وقد تتغير هذه الصورة من جيل إلى جيل طبقا لمراحل الوعي التاريخي المتغيرة. وقد اعتمد البيهقي مثل السجستاني على مصادر شفاهية ومدونة؛ فالمعرفة بالاحتكاك بالناس والسماع منهم لا تقل أهمية عن المعرفة المدونة. كما يصرح باستعماله بعض الوثائق.

50

ويأتي ابن سينا في مقدمة الفلاسفة لدرجة أنه يعادل كما خمس الكتاب كله، ومما قد يوحي بأن البيهقي سينوي الاتجاه كما سيفعل الشهرزوري فيما بعد في تضميمه فلاسفة الإشراق لأنه إشراقي. ثم يأتي الفارابي وأبو الفرج الطيب بعده؛ فالمفسر والشارح له نفس الأهمية التي للفيلسوف. ثم يأتي عمر الخيام وصورته في التراث، الأديب والمؤرخ والعالم والمتصوف. ثم يأتي ابن زرعة المترجم وابن الهيثم الرياضي؛ فقد ظلت الترجمة مستمرة حتى القرن الرابع موازية للشرح والعرض والتأليف. ثم يأتي النيسابوري والشهرستاني وأبو البركات وعلماء القرن الخامس.

51

ثم يتوالى الأعلام، يكثر عددها ويقل حجمها.

52

ويبلغ مجموع الأعلام في الموروث مائة وعشرة أعلام.

ويرسم البيهقي صورة لابن سينا وهو يذم أبا الفرج الجاثليق ويهجن تصانيفه بالرغم من اعترافه بتقدمه في الطب. ويعترض على بعض رسائله.

53

ويحكم بأنه تحاسد بين أهل العصر، وأنه استفاد من أبي القاسم وأن ابن سينا كان مؤذيا مهجنا. ويروي مشاجرة بين ابن سينا وأبي القاسم الكرماني خرجت على حدود الأدب. اتهمه ابن سينا بقلة عنايته بصناعة المنطق، واتهمه أبو القاسم بالمغالطة والغلط. ويروي دخول ابن سينا على مسكويه بأجزاء من الأخلاق لإصلاح أخلاقه أولا قبل تقدير مسافة الجوزة. ويرى البيهقي أن الذم والتثريب والتهجين ليس من دأب الحكماء والمبرزين. وقد تكرر نفس الشيء مع البيروني. وكانت عادة ابن سينا سرقة الأضواء والأفكار من غيره ويشكو إلى الحكام. ومع ذلك كان يمدح تلاميذه. ووصف المعصومي أنه بالنسبة إليه كأرسطو بالنسبة لأفلاطون.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ٥٨