21
ويختلف تدوين الحضارات من الناحية الكمية إما طبقا لأهميتها وهو الأغلب، أو طبقا لتوافر الأخبار عنها، وهو الأقل احتمالا؛ فقد كان الروايات عن الأمم القديمة ومصادر المعلومات الأخرى متوافرة كما وضح ذلك في علوم التاريخ والتفسير. وربما زاد الأندلس لأن المؤرخ أندلسي تتوفر لديه المعلومات عنها ولأنها ثقافته الوطنية. وتبدو الأولوية للموروث على الوافد، لحضارة الأنا على حضارة الآخر بنسبة كبيرة، أكبرها الأندلس وأصغرها الكلدان. وبمقارنة الوافد بالموروث كما نجد أن الوافد لا يزيد على خمسين علما، في حين أن الموروث يتجاوز الخمسمائة مما يدل على ضمور الوافد واتساع الموروث.
22
ولا فرق في تسمية الحضارة بين الموقع أو البلد، مثل: الهند، فارس، الأندلس، وبين الشعب أو الأهل أي البشر؛ فالبشر هم صناع الحضارة، وهم الذين يخلدون الموقع والبلد. وذلك مثل: الكلدان، اليونان، الروم، العرب، بنو إسرائيل، أهل مصر. ويلاحظ غياب لفظ الإسلام أو المسلمين؛ فالحضارة قومية أكثر منها دينية، ثقافة وطنية يلعب فيها الدين والعلم والصناعة أدوارا رئيسية.
23
ويعتمد تدوين التاريخ على مصادر سابقة مدونة أو شفاهية. ويرجع المؤرخ إما إلى مؤلفاته السابقة أو إلى مؤلفات الآخرين الأصلية.
24
كما أن القرآن والحديث مصدران للأخبار.
25
ولا يذكر شيئا بلا مصدر. ويأسف لعدم وجود أخبار كاملة لاستكمال أسماء الأعلام.
26
ويحيل إلى كتابه «جوامع أخبار الأمم من العرب والعجم». كما أن القرآن مصدر أخبار وأساس لمعرفة قوانين التاريخ وقيام الحضارات وسقوطها:
قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ، ومصدر أخبار عن النمرود من الكلدان. كما أن الحديث مصدر للأخبار لتفسير تشتيت اليهود: «ولا يبقى دينان في أرض العرب.»
27
كما أن الشعر مصدر للمعلومات.
28
الروايات الشفاهية أيضا مصدر للمعلومات، سواء كانت روايات المسلمين أو اليهود مثل حسداي بن يوسف.
29
والتاريخ الموضوعي تاريخ صرف تغيب منه الدلالة. أخبار رواها السابقون تطابق مجرى الأحداث. قد تقع أخطاء هنا وهناك نظرا للاعتماد على الروايات دون التحقق من صدقها كما طالب ابن خلدون بعد ذلك وكما هو الحال في مناهج النقد التاريخي، سواء في علم الحديث قديما أو عند المؤرخين المعاصرين حديثا.
30
ويشمل التاريخ، تاريخ الدول والمناطق الجغرافية وتاريخ الحضارات والملل والنحل في آن واحد. تاريخ الحوادث وتاريخ الثقافات، مما يدل على ارتباط تاريخ الحكمة بتاريخ الملل والنحل، وكما بدا ذلك عند مؤرخي الفلسفة مثل ابن النديم، ومؤرخي الملل والنحل مثل الشهرستاني.
31
وقد يتجاوز التقرير التاريخي الموضوعي الجغرافيا والتاريخ إلى الحضارة، الفلسفة والعلم والدين واللغة عند أرسطو وذكر شراحه اليونان. ولا فرق بين الفلسفة اليونانية والعلم اليوناني. وأحيانا تذكر بعض الأعلام بلا دلالات من حيث الألقاب والمهن والاتجاه الفكري.
32
واليونان نقطة إحالة إلى الرومان لدرجة الخلط بينهما.
33
وتتعادل الحضارات بين أجنحتها المختلفة بين الشرق والغرب والجنوب؛ فقد كانت تلك مناطق الحضارات القديمة، إذ كان الشمال؛ أي أوروبا، الحالية لم تستيقظ بعد، ولم تبزغ حضاريا إلا بعد انتشار المسيحية من الجنوب والشرق إلى الشمال والغرب. فالهند وفارس والكلدان في الشرق، واليونان والروم في الغرب، ومصر والغرب في الجنوب الشرقي، والأندلس وبنو إسرائيل في الغرب الإسلامي. كانت الحضارة الإسلامية إذن في المشرق والمغرب. وكان الإسرائيليون جزءا من حضارة الأندلس.
ولا يكون الحديث عن الهند إيجابا إلا بالحديث عن الصين سلبا مع إطلاق بعض الأحكام مدحا للأولى وذما للثانية في أسلوب خطابي للمدح أو الذم؛ فالهند أمة عظيمة لها مآثر جليلة، وكأن المؤرخ صديق ما يعلم وعدو ما يجهل. ولبعد الهند لم تصل تآليفها إلا القليل. وقد عرفت «كليلة ودمنة» عبر فارس بعد أن ترجمها عبد الله بن المقفع من الفارسية إلى العربية. وبسبب الإعجاب بالهند، فإن صاعد لا يحكم عليهم بالخرافة في تصور زحل لحمايتهم من السواد، وعطارد لإعطائهم الحكمة والنظر. ويذكر مذاهبهم في النجوم ويذكر بعض علمائهم مثل كنكه وبعض ألعابهم مثل الشطرنج.