تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8

ومع ذلك لم يسلم الكتاب من الهجوم عليه من غير المتخصصين والمزايدين، والمتملقين للأذواق العامة، والراغبين في الشهرة، والحريصين على السيطرة على الرأي العام، شفطا للدولة والمجتمع من أسفل، بدلا من الانقلاب عليهما من أعلى، مجرد زوبعة لم تتحول إلى إعصار. (و)

غابت التحليلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تبين نشأة الأفكار والعقائد القديمة وحاجات العصر الحديثة وتجاربه ومطالبه، وحتى لا تبدو الأفكار طائرة في الهواء، لا مستقر لها ولا مكان. غاب البحث في تكوين النصوص وتدوينها وصياغة العقائد وتكلسها حتى يمكن بيان نشأتها في التاريخ قبل أن تصبح مقدسا خارج التاريخ مع أن البحث في النشأة والتكوين كان جزءا من التراث والتجديد.

9

وكان الاستماع إلى هذا النقد المستمر من علماء الاجتماع والمؤرخين يهز الأعماق ويجد له مهربا في تحليل الشعور. كان يشفع في ذلك أن المنهج المختار يبرأ عن رد الظواهر إلى أسبابها الاجتماعية فحسب، ويؤثر إبقاءها تصورات في الذهن وأبنية في الشعور في مجتمعات تراثية ترى حقائق مطلقة في وعيها، وأن وحيها خارج التاريخ. ومع ذلك فإن بيان نشأتها في ظروف اجتماعية معينة، وفي أتون الصراعات السياسية، يساعد على استعمالها في عصرنا كسلاح فكري بدلا من ممارسات المعارضة استنادا على تراث السلطة. الأفكار والعقائد وظائف اجتماعية وفاعلية في الجدل الاجتماعي، ولكن خشية الوقوع في منطق النشأة والتكوين حدث رد الفعل في الوقوع في منطقة البنية والماهية المستقلة. والجمع بين التاريخ والبنية في منهج مزدوج يفي بالمطلبين، حق الواقع الحامل للفكر، وحق الفكر المستقل عن الواقع. ولا ضير أن تتكامل المناهج، وأن تتكاتف الجهود، وأن تتعدد الرؤى، وكل ميسر لما خلق له.

10 (ز)

غياب المقارنات مع الفكر الغربي بوجه عام ولاهوت التحرير بوجه خاص حتى يجد الكتاب مستقرا له وميدانا وعلما قائما يربط نفسه به ويضع نفسه فيه. وإذا كانت الغاية من «التراث والتجديد» هو التحديث، فأين الحداثة؟ كان الخوف من المقارنات ناشئا عن رفض التحديث من الخارج عن طريق الانتساب إلى رؤية أو مذهب أو منهج غربي، ثم قراءة التراث ابتداء منه، إسقاطا أو قراءة أو تحليلات، وإيثار التحديث من الداخل بفعل الاجتهاد، وإعادة قراءة القديم بناء على متطلبات الحديث وحاجات العصر.

11

كانت النية حاضرة، وما زالت، في كتابة دراسة خاصة عن لاهوت التحرير عرضا ومناقشة ونقدا، إهداء إلى الأخوة أقباط مصر، لبيان إمكانية تثوير الدين إذا كان ما زال يغلب عليهم الاتجاهات المحافظة ومساعدتهم على التحديث والعلم بما يدور حولهم من اجتهادات النصارى في الخارج.

12

كان يمكن إكمال هذا النقص في الهوامش لمن شاء المقارنة، وإثارة للأسئلة، وتفتيحا للموضوعات، ووضعا لبرامج في المستقبل لجيل جديد من الباحثين. ربما ما زال هناك فصل حاد بين الجبهتين الأولى: موقفنا من التراث القديم، والثانية: موقفنا من التراث الغربي، كرد فعل على التعالم باستعمال الثقافة الغربية والزهو بمعرفتها، والدراية بأسماء أعلامها ومذاهبها، وحتى يحظى الباحث بحظوة تجعله أقرب إلى المحدثين منه إلى القدماء، وتخفيفا للشعور بالنقص من القدماء أمام المحدثين. (ح)

غلبة الإنشائية على المقدمة والخاتمة، وبعض أجزاء الخطاب في الداخل جعل العلماء ينأون عنه والسياسيين يبرءون منه. والإنشائية أيديولوجيا وليست علما، وعظا وليست تحليلا، خطابة وليست برهانا. وأخذ البعض ممن لا يقوى على الصبر هذه الأجزاء الإنشائية لنقد الكتاب كله وبالتمايز عنه، وهم علماء لا خطباء، عقلانيون لا دعاة. كان السبب الإجرائي هو أن «التراث والتجديد» كان مقدمة «من العقيدة إلى الثورة»، فلما صدر بمفرده قبل صدور الكتاب بثمانية أعوام، جاء الكتاب خاليا منها ومن أية مقدمة أخرى. وطال الوقت بحثا عن مقدمة بديلة، وأخيرا استقر العزم على تقليد القدماء بعد معرفة مقدماتهم. وكانت في معظمها مدحا لله وللسلطان. وجاءت مقدمة الكتاب قلبا لمقدمة القدماء، كما أن الكتاب كله قلب لعلم الكلام القديم رأسا على عقبة، انتقالا من مدح السلاطين إلى الدفاع عن الشعوب. وجاءت الخاتمة أقل إنشائية أيضا، قلب للقدماء من الفرق بين الفرق إلى الجمع بين الفرق، ومن الفرقة الناجية إلى الوحدة الوطنية. وكان السبب الفعلي هو أن الجمهور جزء من الخطاب حتى يحدث أثره فيه. ولما كان للجمهور لغته وأسلوبه، غلبت بعض الإنشائية في التحليل تحقيقا لهدف الانتشار في الغالبية على التأثير في الأقلية، وإيثارا للعلم النافع على العلم الخالص؛ فالعلم حركة وتغير ونشاط وفاعلية وتاريخ. ليس الهدف من العلم النظر بل العمل. والنظر ما هو إلا مقدمة للعمل، وقد يكون البحث النظري الخالص أحيانا ترفا لا قبل للتاريخ به إذا كان المنزل يحترق ويحتاج لمن يطفئ النار. صحيح أن البحث النظري على الأمد الطويل هو الحل الجذري، ولكن في مجتمعات مستقرة استطاعت أن تفي بالحد الأدنى من الخدمات والحاجات الأساسية والاستقلال والكرامة والوطنية. وهناك الأسلوب الفلسفي الذي يجمع بين التحليل العلمي والأسلوب الأدبي، يعرفه الخاصة والعامة، ويفي بشروط البحث النظري والبيان للناس.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ٤