26
ودلالة العبارات الإيمانية في الموروث أقل من دلالتها في الوافد لأن الموروث بطبيعته يعبر عن الرؤية الدينية للعالم في حين أن الوافد يوضع فيها ويختم بها عليه. ويتم عرض الوافد بلغة الموروث، وتفسير السيرة الذاتية بعبارات الموروث مثل عودة جالينوس إلى وطنه «إن شاء الله.» كما يتم عرض الموروث بطبيعة الحال بلغته. فعند أبي القاسم الأنطاكي المجتبي: يفتح الله بصر العقل. وعند أبي زكريا الصيمري: رضا الإنسان عن نفسه مقرون بسخط الله تعالى. وعند مسكويه: من كان ميله إلى غير رضا الله عز وجل فإنه يظل محجوبا عن العلم. فإذا كان الوافد قد ساعد على تعقيل الموروث فإن الموروث قد حاول رد الوافد إليه ثم الارتداد إلى مصدره الأول في التصور الديني للعالم بلغته وعباراته وشواهده. وتتدخل العناية الإلهية عند أبي سهل البوهي من أجل تحويله من اللعب بالقوارير إلى وضع علم الميكانيكا علم الحيل والانتقال والأكر المتحركة.
27
وتظهر الآيات القرآنية وبعض الأحاديث لإعادة الموروث إلى مصدره الأول بعد إدخال الوافد في الموروث. وما أكثر آيات الحكمة والنفس والعلم والنعيم. ويتقنن الفكر بالقرآن، وتهتدي الفلسفة بالشريعة، وكأنه لا توجد فلسفة خالصة.
28
وبعد الحمدلات والبسملات تظهر البراعة في التأليف اعتمادا على القرآن والحديث. البداية بشرعية الأنا، وتقديم ما هو نافع له باعتباره علوم وسائل لا علوم غايات مع انفتاح على الحضارات الأخرى كواجب شرعي. بل إن النوع الأدبي ذاته، الأقوال والحكمة والأمثال قد تمت صياغته بقراءة البنية للحكمة والفصل بينها وبين الشخص.
29
ويغلب الطابع الإيماني على أسماء الأعلام في هذا العصر المتأخر، وتسود العلوم النقلية على العلوم العقلية، ويتغلب الإيمان على العلم. فالحكماء مؤمنون أولا وأطباء ثانيا. ويطلب من الله عاقبة الأمور والجمع بين خير الدنيا والآخرة للناس بمنه وكرمه ولطفه ورحمته.
30
الفصل الثالث
| الانتحال
| أولا: الانتحال إبداع حضاري
(1) التاريخ والإبداع
إذا كان فصل التاريخ قد قام على تحليل المصادر الرئيسية التي دونت علوم الحكمة، وكان فصل «القراءة» قد قام على محاولة أسلمة هذا التاريخ صبا للوافد في الموروث، فإن هذا الفصل «الانتحال» يقوم أيضا على تحليل النصوص المنتحلة لأرسطو وأفلوطين؛ اليونانية المترجمة أو العربية المؤلفة لمعرفة آليات الانتحال ومنطقه.
وقضية الانتحال ليست جديدة. عرفها المؤرخون القدماء في الفلسفة والشعر. فليس المطلوب عمل ثبت بالنصوص المترجمة كما يفعل المؤرخون القدماء والاستشراق الحديث، بل تحليل النصوص المترجمة لمعرفة كيفية النقل الحضاري وإخضاعه لمنطق دقيق. وإذا كان الانتحال في الشعر الجاهلي وفي القرآن وفي الحديث، فلماذا لا يكون في كتب القدماء؟ فالانتحال إبداع حضاري. وكان الرسول إذا كمل واحد سماه أرسطوطاليس هذه الأمة.
1
والانتحال موجود عند اليونان فيما نسب إلى فيثاغورس وسقراط وأفلاطون وأرسطو، بل عند الشراح مثل الإسكندر وثامسطيوس. وقد يكون الانتحال جزئيا مثل الألف الصغرى والكاف في كتاب «ما بعد الطبيعة» لأرسطو.
2
وليس الانتحال قاصرا على حضارة دون حضارة أو على كتاب مقدس دون كتاب مقدس أو على فيلسوف دون آخر، بل هي قاسم مشترك بين الجميع لأنه يعبر عن إحدى مراحل الإبداع في تاريخ الحضارات. فهناك الانتحال في الفلسفة اليونانية والفلسفة الإسلامية. وهناك الانتحال في العهدين القديم والجديد وفي الحديث النبوي نظرا لأنه مر بفترة شفوية تقارب القرنين قبل التدوين، في حين أن القرآن دون منذ وقت الإعلان. وهي نفس مشكلة شعر هوميروس المنحول، والانتحال في الشعر العربي.
3
وليس الانتحال مقصورا على علوم الحكمة، بل هناك الانتحال في علم الكلام والتصوف نظرا لما يسمح به هذان العلمان من إمكانيات للإبداع في الجدل بين الخصوم كما هو الحال في علم الكلام أو في ذروة الإبداع الفني في التصوف، سواء في النصوص الأصلية أو المنتحلة. بل قد يكون الانتحال في فرقة كلامية أكثر من الأخرى، فالانتحال في الشيعة أكثر منه عند أهل السنة نظرا للحالة الإبداعية الشديدة عند فرق المعارضة في مقابل تزييف التاريخ عند فرقة السلطة.