6
وكل عبدة الأوثان من العرب موحدة. عبادة الأصنام ما هي إلا وسائل لتقربهم إلى الله:
ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى . ولكن الخلاف في النبوة والبعث. صحيح أن عبادة الأوثان والكواكب لا تتفق مع العقل، ولكن العرب قبل الإسلام أقروا بالتوحيد والربوبية، والتزموا بالشريعة، وآمنوا بنهاية العالم والبعث والنشور، وأقاموا العبادات من صلاة وصيام وحج.
7
وقد أتت عبادة الأصنام من الشام، من اليونان والرومان والنصارى، وليست من الجزيرة العربية بطبيعتها.
8
ويقارن البيروني علوم الهند وشرائعهم بعلوم العرب وشرائعهم قبل الإسلام، فالأنا الحضاري متصل قبل الإسلام وبعده. ويقارن علوم اللغة والشعر في الحضارتين. وكذلك تتم مقارنة الفلك والعلوم الرياضية والطبيعية في الحضارتين. وتتم مقارنة أنواع النكاح في الهند وأنواعها في الجاهلية، الاجتماع على امرأة واحدة إذا كانوا إخوة، الاستبضاع، التبادل، زواج الابن الكبير. وتبدأ العرب بالكتابة من اليمين إلى اليسار، وهو أقرب إلى الطبيعة من البداية من اليسار إلى اليمين كما تفعل الهند. والعرب أميون لا يكتبون ولا يحسبون، وإنما يعولون على العدد والعيان.
9
بل تتعدى القراءة إلى النظم السياسية. إذ يسمي صاعد الدولة العباسية بالهاشمية. ربما تعاطف معها وهو الأندلسي الذي تدين الأندلس بفتحها للأمويين. والعرب أصناف: معطلة ومحصلة. ومن المعطلة من تنكر الخالق والبعث والإعادة، وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني اعتمادا على الطبائع المحسوسة. وقد أشار إليهم القرآن في آية:
نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر . وآخرون أقروا بالخالق، والبعض يعتقد بالتناسخ، وفريق ينكر بعثة الرسول.
10
ولقد استمرت الوثنية بعد الإسلام في الممارسات الشعبية. ولو وجدت العامة أو النساء صورة النبي أو الكعبة لقبلوها وعفروا خدودهم بها، وكما يفعلون في مناسك الحج والعمرة. وهو نفس دافع إيجاد الأصنام وتسميتها بأسماء الأشخاص المعظمة من الأنبياء والعلماء والحكماء لتذكير الناس بأمرهم عند الغيبة أو بعد الموت. وبتقادم الأزمان نسي الناس بدايتها وحولوها إلى أصنام. فكأن الناس في البداية وفي النهاية كانت على عبادة الأوثان. فهي العنصر الثابت في الدين على مر الزمان.
11
| سابعا: حكماء الإسلام
ثم يتغير العالم بظهور الإسلام وانتشاره حتى عم كل دعوة ظاهرة، وعلت حكمة التقوى. وصار للعرب دولة عظمى ورئاسة كبرى، ونالوا حكمة بالغة العلى. وخمدت كل دولة قاهرة، وتوارت كل ملة ظاهرة، واختار الله للدين الجديد يثرب دارا، والحجاز قرارا، والأنصار أصحابا. ظهور الإسلام علامة تحول في التاريخ، وبداية فترة الانتصار الأولى قبل فترة الهزائم الأخيرة.
1
ويتضح ذلك في تاريخ أطباء العرب أول ظهور الإسلام. فقد دعا الرسول الحارث بن كلدة الثقفي لمعالجة مريض «فإنه رجل يتطبب.» أي يمارس الطب صنعة وظنا وليس طبيعة ويقينا. فالعقل من قسمة الله تعالى قسمه بين عباده لقسمة الرزق فيهم من كلامه. لم يمنع الرسول من التطبيب، ولكنه نبه على الخير فيه: «أنزل الدواء من الداء.» والحارث بن كلدة هو الذي تنبأ بموت عمر عندما رأى اللبن يخرج من الأمعاء. وقد قتل النبي النضر بن الحارث مع أسرى بدر وحزن عليه بعد سماع رثاء أخته: «لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته.» القتل خطأ، والحياة أهم، والشعر يؤثر في النبي. كما قال النبي لأبي رمنة التميمي الطبيب: «أنت رفيق والطبيب الله.» مكررا «الطبيب الله.» كما هو الحال عند الأشاعرة في نظرية الكسب. ويشرح عبد الله بن أبحر الكناني قول النبي: «سر بدائك ما حملك.» وقد بعث الرسول إلى أبي بن كعب طبيبا يعالجه. ويستمر هذا التقليد عند الكندي الذي يوصي الطبيب بتقوى الله حتى يساعده على شفاء الأمراض. وقد استخار عمر بن عبد العزيز الله في إخراج كتب الطب أربعين صباحا ومنها كتاب أهرن بن أيمن القسي وترجمة ماسرجويه إلى العربية.