تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15

وفي العصور المتأخرة أيضا أقواله كلها حكم إسلامية صوفية تركز على الزهد وتدل على حال الأمة في هروبها إلى التصوف، التمسك بالله، والإيمان بالآخرة، والابتهال إلى الله، وبتوفيق الله والالتزام بأوامره ونواهيه حتى دون إشارات إسلامية مباشرة واضحة. فالروح غير الحرف. وهي ثنائية موجودة في كل تصوف، تتم الإحالة إليها في العادات والملل السابقة والأمم المتقدمة. ويبدو البعد السياسي بالنصائح الأخلاقية الموجهة إلى الملوك، والدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قد يكون التصوف ذاته دعوة سياسية بالابتعاد عن العالم للسلطان يفعل كما يشاء خاصة لو تمت صياغات أقوال لمدح السلطان. وقد يكون نقدا سياسيا واجتماعيا مقنعا في ثوب ديني لا سياسي. وقد أخذ فيثاغورس الحكمة من معدن النبوة، وهو الحكيم الفاضل ذو الرأي المتين والعقل الرصين. الباري واحد كالآحاد، لا يدخل في العدد، ولا يدرك بالعقل أو النفس.

16

وطاليس تعلم الحكمة في مصر، وأقواله كلها إسلامية إيمانية أخلاقية إنسانية. يعقد حوارات مع حوارييه مثل المسيح ومحمد. وكل قول له سبب نزول مثل آيات القرآن. وكل حكاية بها رواية وقول مبشر كما هو الحال في علم الحديث، السند والمتن. وهو صاحب مدرسة فكرية منها مانقسانس، أنكساجوراس، أرملاوس، في مقابل مدرسة فيثاغورس، سقراط وأفلاطون وأرسطو، مدرسة الطبائعيين في مقابل مدرسة الرياضيين.

17

ويدخل الوافد في الموروث. فإذا قال طاليس إن أصل الأشياء هو الماء، فإن الموروث يحمله داخل:

وكان عرشه على الماء ،

وجعلنا من الماء كل شيء حي .

18

ويقول طاليس بخلق الله للماء وليس أن الماء أصل العالم، وهو ما يتفق مع التوراة أن مبدأ الخلق جوهر خلقه الله تعالى، وموافق أيضا للديانات السماوية والقرآن في آية:

وكان عرشه على الماء . نظرة طاليس إلى العالم نظرة إلهية وليست مادية. طاليس يقول بالتوحيد والإبداع. ويستعمل الشهرزوري مصطلحات الكندي في الأيس والليس. وقد تلقى طاليس علمه من مشكاة النبوة. فالعنصر الأول وهو الماء شبيه باللوح المحفوظ. وتسمية الطبيعيين الأوائل وعلى رأسهم طاليس بالدهريين هو صب للوافد في مقولات الموروث حتى تسهل إدانته.

19

فالوجود لا موجد له «تعالى الله العظيم»، وهو قول جمهور أهل الهند. فالمادية من الشرق القديم، من الهند كما لاحظ الأفغاني في «الرد على الدهريين». وفي الأقوال المتأخرة يتحول طاليس من فيلسوف طبيعي إلى فيلسوف إلهي صوفي يعرف لذة العبادة، وأن العمر بركة، وأن من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، وهو حديث عن الرسول.

20

العنصر مثل القلم الأول، والعقل مثل اللوح القابل للنقش. ومن مشكاة النبوة اقتبس وبعبارات القوم التبس.

بل إن الطبائعيين أيضا فلاسفة مؤمنون بالله وبالخلق. فعند أنكمندريس أول ما خلق الله هو ما لا نهاية له. وعند أنكسمانس أول ما خلق الله الهواء. والباري تعالى أزلي لا أول له ولا آخر، مبدأ الأشياء. وعبر عن التوحيد بلغة النور. وأعد الله ذخائر الإثم للفجار. وعند أنكساجوراس وفلارمانيوس أول ما خلق الله المتشابه الأجزاء. الباري تعالى أزلي لا أول له ولا آخر. مبدأ الأشياء لا بدء له، لا تشبهه هوية، مبدع، صورته في علمه الأول، بلا نهاية، أزلية، لا تتكثر ولا تتغير، أبدع بوحدانيته صورة العنصر. وفي العصور المتأخرة أقواله موجهة إلى شكر الله تعالى والاستعاذة به. وهو أيضا من القائلين بالوحدانية، إلا أن المبدأ لديه هو المتشابه الأجزاء. وافق سائر الحكماء أن المبدأ الأول هو العقل الفعال، وخالفهم في قولهم أنه ساكن غير متحرك. وعند أرسلاوس بن أبولوذس؛ أول ما خلق الله ما لا نهاية له مثل أنكسماندريس، ولا يهم صاحب الرأي بقدر ما يهم الرأي بداية باستقلال الرأي عن الشهرزوري. وعند أبيقورس بن تاونيس، خلق الله مبادئ الموجودات أجساما مدركة عقلا لا خلاء فيها ولا لون لها، سرمدية غير فاسدة، تتحرك في الخلاء والملاء إلى أن يشاء الله. وبعد موت زينون وجد له كتاب بلغة أفريقيا مملوء بفاحش القول في الأمور الإلهية. تلك صورة زينون الأيلي السوفسطائي وتحويل إنكاره الحركة في الطبيعيات إلى فاحش القول في الإلهيات. ومع ذلك تكشف آدابه عن مثالية أخلاقية عكس ماديته الطبيعية. وهذا يدل على قوة أسلمة التاريخ على خلق تاريخ جديد يعبر عن الشهرزوري بعد تكبيرها وتضخيمها.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٢١