تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

46

وقد عرف الفارابي ذلك من علم أصول الفقه الذي حدد معاني اللفظ في ثلاثة؛ الاشتقاقي والاصطلاحي والعرفي. يلجأ الفارابي كما سيلجأ ابن تيمية من بعد في نقد المنطق الأرسطي إلى الفطرة. فهي بديهية. بينة بذاتها، لا تحتاج إلى القياسات والتركيبات المنطقية. فهي تجب اللغة. هي عمل الشعور مباشرة فيما وراء الألفاظ. هي البداهة العقلية، الشعور العام، المشهور عند الجميع. فلا تعارض بين الفطري والمشهور. الفطرة هي الطبيعة الفردية، والمشهور هي الطبيعة العامة، فالمنطق كله الذي يعلم بالاكتساب من أرسطو يمكن أن نعلمه نحن بالفطرة. والفطرة اختيار وإرادة وروية. والفطرة في مقابل الوضع والشريعة والقول. الأولى طبيعة، والثانية اكتساب. الفطرة عند الفارابي مقابل التوقيف عند الأصوليين. والشريعة والوضع والقول هو الاصطلاح. مهمة المنطق والفلسفة البحث عن أشياء معلومة بالفطرة وليس إعطاء علم جديد عن طريق المقدمات والنتائج ولزوم الشيء عن الشيء. القضية البينة عند أرسطو يمكن معرفتها أيضا بالفطرة بصرف النظر عن كونها مشهورة أم غير مشهورة. وهنا يتم التحام أرسطو بالفارابي، والمنطق اليوناني بالمنطق الإسلامي عن طريق لحام الفطرة؛ فالفطرة هي القاسم المشترك بين الثقافتين وبين الفيلسوف. لقد عرف أرسطو الفطرة كما أثبتها الإسلام بعده بألف عام ثم أكدها الفارابي بعده بثلاثمائة عام، ولكن آباء الكنيسة لم يلحموا المسيحية بأرسطو. فلم تصبح الفطرة قاسما مشتركا بين الفلسفة اليونانية والفلسفة المسيحية.

47

وينقل الشرح مادة المنطق اللغوية من الوافد إلى الموروث فتصبح مادة كلامية تشمل موضوعي التوحيد والعدل بلغة الاعتزال أو الإلهيات والنبوات بلغة الأشاعرة. ويبدو ذلك في قسمة العلم وإدخال المنطق مع الطبيعيات والإلهيات والإنسانيات في علم واحد. فالمقولات متقدمة على كل كتب المنطق بل وعلى الطبيعيات والإلهيات والإنسانيات التي يسميها الفارابي العلم المدني لأن الإلهيات ليست إلا النظر في المعقولات. وهنا ينقل الفارابي الشرح من مستوى المنطق إلى مستوى الإلهيات والمنطق بؤرة الحضارة اليونانية والمادة الدينية بؤرة الحضارة الإسلامية. تم نقل البؤرة الأولى إلى الثانية. ودخلت قضايا إلهية كمادة محددة لقوانين المنطق، وكما فعل السهروردي في «حكمة الإشراق» بنقل المنطق الصوري إلى المنطق الإشراقي، وابن تيمية بنقل المنطق الصوري أيضا إلى المنطق الحسي.

48

والمشكلة التي تبدو في الإلهيات هي العلم الإلهي والله هو عز وجل، وجل ثناؤه، الله تعالى، وليس الإله اليوناني

Theos . فالعلم الإلهي ضروري لا تدخل فيه القضايا الممكنة لأنه علم محيط لا احتمال فيه. لا يصدق فيه المتقابلان أو يكذبان لأنه لا احتمالات فيه. يعلم الله الأمور المستقبلة؛ ومن ثم لا إمكان فيه يتحقق في المستقبل. كما أنه يخلو من الإيجاب والسلب، والمعلوم والمجهول. يعلم الله الأشياء قبل كونها في كل الملل. فإذا كان المنطق عند أرسطو يتناول المستقبلات والممكنات والمحتملات فإن العلم الإلهي لا يتناول إلا القضايا الضرورية.

49

ويظهر مقياس المنفعة والضرر في اعتقادات الناس، فلا تهتز عقائدهم بعلم الله المحيط بالمستقبل وبالممكنات فيه. والله يعلم بصدق إحدى القضيتين المتقابلتين بعلم مسبق وليس بعلم لاحق كعلمنا نظرا لنقص طبيعتنا. ويلاحظ أن نقد المنطق اليوناني قائم على الإلهيات الإسلامية، وأن حكم الفارابي على الفلسفة اليونانية حكم واضح وظاهر دون تعمق أو تسرع. ولا يخص ذلك الإسلام وحده بل سائر الملل، الدين العام الشامل. كما لا يخص المنطق اليوناني وحده بل المنطق الإنساني العام، أو اللغة العربية وحدها بل اللغات عند الأمم أو كما يقول ابن سينا فيما بعد، ليس علم الشعر الخاص بل علم الشعر المطلق. والاختلافات في المنطق قد يكون حلها في الإلهيات. فالإلهيات أوسع نطاقا من المنطق كما يبدو من تركيب الوافد المنطقي على الموروث الإلهي. بل إن المنطق الصوري ذاته ضد أخلاق أرسطو التي تقوم على الإرادة والروية. حل شكوك المنطق في يقين الإلهيات وكما فعل السهروردي في حكمة الإشراق بنقده القضايا الشرطية المنفصلة بالنسبة لليقين الأخروي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٢١