تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

وتخضع الترجمة لمنطق النقل الحضاري، الحذف والإضافة، وإعادة التعبير؛ فالحذف ليس نقصا في الترجمة، بل قد يكون زيادة في النص اليوناني، والإضافة قد لا تكون زيادة في الترجمة، بل نقصا في النص اليوناني. إنما يتوقف الحكم بالحذف والإضافة على اعتبار أيهما الأصل وأيهما الفرع؟ أيهما المقياس وأيهما المقيس؟ والحذف والإضافة يبدو أنهما متعارضان، والحقيقة أن القصد من الحذف هو التركيز على الموضوع، في حين أن القصد من الشرح هو توضيح المعنى، وكلاهما ضروريان في النقل الحضاري. ولا يوجد تحديد دقيق لموضوعي الحذف والإضافة، بل يتوقف ذلك على إحساس المترجم. قد يكون الحذف للقيمة اليونانية المحلية أو للواقع اليوناني المحلي. وقد تكون الإضافة للقيمة العامة التي تعبر عن التصور الإسلامي للكون. وقد يقع الحذف والإضافة في نفس العبارة؛ مما يشير إلى بزوغ التأليف داخل الترجمة، ابتداء من إعادة بناء الجملة كلها. وقد يرجع الحذف والإضافة إلى اختلاف في المخطوطات اليونانية نفسها؛ فما كان عند المترجم الأول القديم ليس بالضرورة هو ما لدى المترجم الثاني الحديث. وقد يرجع إلى اختلاف النسخ، وفي هذه الحالة يصبح منطق النقل الحضاري بلا أساس، ولكن لكثرة النقص والزيادة بين النصين اليوناني والعربي، يتضح القصد وتقل المصادفة. ويكفي إعطاء نماذج من منطق النقل الحضاري، الحذف والإضافة والأسلوب اكتفاء بالاستقراء المعنوي كما يقول الشاطبي؛ أي الإحصاء الناقص الذي يكفي للحصول على المعنى أو القانون، دون استقراء تام يستحيل إجراؤه، ولا يفيد.

4

وإعادة كتابة النص جعلت الترجمة تأليفا بأسلوب عربي قديم، لا يحتاج إلى شرح أو اختصار؛ لم يشأ المترجم القديم ترجمة نص، بل التعبير عن معنى ووضع رؤية، واكتشاف موضوع، وبلورة قصد حضاري للموروث بعد تمثل الوافد؛ وبالتالي تحذف العبارات الشارحة المسهبة، التي لا تزيد في بيان الموضوع، والتي تشوبها بعض الركاكة، وذلك مثل ترجمة المصريين بأهل مصر. وتقتضي الترجمة المعنوية التركيز في حين أن الترجمة الحرفية إطالة؛ فالزيادة والنقصان أفضل من الكبر والصغر، والرجوع إلى الوطن أفضل من الرجوع إلى المنزل. وقد تكون الغاية من الحذف إزالة اللبس والغموض وتوضيحا للمعنى بأقل عبارة.

5

وقد يكون قلب النفي إثباتا والإثبات نفيا من دواعي توضيح المعنى واختصار اللفظ، مثل حذف بدون صعوبة ووضع يسير؛ فبدلا من أن يكون خيرها قليلا جديدا يكون نفعها كثيرا.

6

وقد يتم حذف العبارة، نفي الضد لإثبات الشيء أو إثبات الشيء بنفي الضد.

واستبدال الأسلوب العربي بالأسلوب اليوناني تقتضيه متطلبات الترجمة المعنوية؛ فاللغة أحد مستويات الحضارة، ويقتضي ذلك تحويل الجملة الإسمية إلى فعلية أو الفعلية إلى إسمية؛ فالترجمة ليست نقلا حرفيا بل إعادة كتابة مضمون النص بأسلوب عربي، طبقا لجماليات اللغة العربية وأساليب بيانها، والترجمة بطبيعتها أكثر من احتمال. وأمام المترجم عدة أساليب كلها ممكنة، يختار بينها طبقا لمنطق المترجم، وإحساسه باللغتين اليونانية والعربية، قد يكون الأسلوب أفصح، والتعبير أصدق، وطريقة كل لغة في العد والإحصاء واستعمال الأرقام.

7

ويصرح حنين بن إسحاق بهذا الوعي بمنطق الترجمة القائم على الحذف والإضافة، والاستبدال عند المؤلف والمترجم، قارئا نفسه في الآخر، ومحيلا الآخر إلى نفسه.

8

ويهدف الاستبدال إلى توضيح الصورة تركيزا أو تطويرا أو تغييرا للمستوى؛ فالحذف والإضافة، الاختصار والإطالة، التخصيص والتعميم، كل ذلك وسائل توضيح للصورة ووسائل للاستبدال؛ وقد يقتضي ذلك تغيير معاني الكلمات؛ قد تحذف الصورة إذا كانت أقوى من المعنى المطلوب التعبير عنه، وقد تقوى الصورة إذا كانت أضعف من المعنى المطلوب إيصاله. وعناصر الصورة متعددة، الزمان والمكان والشخص والبيئة المحيطة. وقد يحدث الاستبدال عن طريق القلب، وجدل النفي والإثبات. وقد يحدث أيضا تحول من العام إلى الخاص للتركيز، أو من الخاص إلى العام لتوسيع الدلالة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٩١