تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان من الممكن استعمال لفظ «النقل» للترجمة من اليونانية إلى السريانية، واستخدام لفظ الترجمة للنقل من السريانية إلى العربية أو العكس؛ من أجل التمييز بين النقلين، واستعمال لفظين مختلفين للدلالة على كل مرحلة، بالإضافة على أن النقل من اليوناني إلى السرياني خاص بالحضارة السريانية أساسا، في حين أن الترجمة من السريانية إلى العربية خاص بالحضارة الإسلامية، خاصة وأن النقل من اليونانية إلى السريانية من لغة هندية أوروبية إلى لغة سامية، في حين أن الترجمة من السريانية إلى العربية من لغة سامية إلى لغة سامية أخرى؛ وبالتالي تكون المسافة في النقل بين اللغتين اليونانية والسريانية أبعد من المسافة بين اللغتين السريانية والعربية. النقل اختلاف في النوع في حين أن الترجمة اختلاف في الدرجة. النقل يتم على مستوى اللفظ في حين أن الترجمة تعبير عن المعنى، كما هو الحال في ترجمة معاني القرآن. ومع ذلك تم استعمال اللفظين «النقل» و«الترجمة» على التبادل دون هذا التمييز الدقيق بينهما.

والأقرب إلى العقل أن الترجمة الأولى كانت عبر السريانية، في حين أن الترجمة الثانية كانت من اليونانية مباشرة؛ فالترجمة عبر نص متوسط عادة ما تكون في البداية؛ نظرا لقلة العالمين باللغة الأصلية؛ ولأن هذه النصوص كانت قد ترجمت من قبل إلى السريانية اللغة الدينية لعرب الشام، فكان من السهل بعد ذلك نقلها إلى العربية، من إحدى لهجات اللغة العربية إلى اللغة العربية الأم، وليس من اللغة اليونانية الأجنبية إلى اللغة العربية.

2

ويمتاز هذا النقل المتوسط من اليونانية إلى العربية عبر السريانية، بأن التعليقات السريانية تساعد المترجم العربي على فهم النص اليوناني، وتفتح له آفاقا جديدة، وتوحي له بمعان متضمنة في الأصل اليوناني، أظهرتها الترجمة السريانية؛ فالترجمة العربية من السريانية تفكير على تفكير، واجتهاد على اجتهاد. كما يعطي النص السرياني المتوسط إثراء أكثر للترجمة العربية ومراجعتها على الأصل اليوناني؛ إذ يكون أمام المترجم العربي نصان ينقل عنهما: اليوناني والسرياني. وكانت هناك مراجعة للترجمات على أكثر من نص يوناني وسرياني.

3

ويمكن عمل نفس التحليل المتقابل بين الأصل اليوناني والترجمة السريانية، لمعرفة مدى النقل اللفظي أو الترجمة المعنوية. وتلك مهمة الباحث السرياني الذي يريد أن يثبت أن الترجمة السريانية لم تكن نقلا حرفيا، بل كانت إبداعا ذهنيا يدل على موقف حضاري عام. وما يهم الباحث العربي هو المقارنة بين النص اليوناني والنص العربي؛ لإثبات نسبة النقل اللفظي إلى الإبداع في الترجمة من خلال التعليق، أولا داخل الترجمة الواحدة، وأيضا من خلال الاختلاف بين الترجمات المتعددة. ومع ذلك فإن توسط السرياني بين اليوناني والعربي، يمكن أن يقدم بعض النماذج المشابهة لصلة النص اليوناني بالترجمة العربية، من خلال طرق الترجمة الأربعة، فإذا اختلفت الترجمتان العربيتان ولم يستطع المترجم الترجيح بينها، لجأ إلى السرياني كعامل مرجح لفهم النص اليوناني الأول، وشرح الترجمة العربية الثانية وتوضيحها.

4

ويتم بنفس الطرق: شرح لفظ بلفظ، ولفظ بعبارة، وعبارة بلفظ، وعبارة بعبارة، وهم الأعم والأغلب. مثلا «شتم» في اليوناني تصبح استخفافا مع هزؤ في السرياني. وأحيانا يكون السرياني أكثر راحة من حيث التعبير عن اليوناني، حتى يسهل استخدامه من بعد كفكرة موجهة أو كأداة عمل، فإذا كان النص اليوناني «إن كان الفاعل للخير ناقصا فالفاعل للشر ضارا» فإنه يصبح في السرياني «إن كان النافع هو الفاعل للخير فالضار هو الفاعل للشر» تبادلا بين المبتدأ والخبر، بين التقديم والتأخير. وإن كان النص اليوناني «إن ضد الشر الخير إذ كان ضد الخير شرا» فإنه يصبح في السرياني «الخير هو ما هو المضاد للشر فمن البين أن يكون الشر هو ما هو المضاد للخير» قلبا لصلة الشرط بين الشارط والشروط، تقديما وتأخيرا؛ فالتركيب أوضح وإن لم يكن أبلغ. وفي النص أن العمر الناسك والعمر الفاضل، وفي التعليق في السرياني بنقل إسحاق التدبير السعيد والتدبير الفاضل، وهو أقرب إلى إبراز المعنى من النص.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٧٧