18
وقد يعبر المؤلف عن لغته بضمير المتكلم الجمع «لغتنا»؛ إحساسا منه بأنه يؤلف في لغة خاصة بمصطلحات خاصة.
19
وقد يذكر صفة اليونانية للأسماء «يسمى باليونانية» عشرات المرات في النص اليوناني؛ إحساسا بأهمية اللسان الخاص في النص الأصلي؛ مما يجعل نقله إلى اللسان العربي نقلا من لسان إلى لسان، ومن ثقافة إلى ثقافة.
20
وما يتم من اللغة العربية في علاقاتها باليونانية، يتم أيضا مع اللغة العبرية؛ فلكل لغة بنيتها وثقافتها، ولكل ترجمة أهدافها داخل حضارتها؛ فالترجمة العبرية ليست حكما في حالة الاختلاف بين الترجمة العربية والنص اليوناني. كما أن الترجمة العربية الحديثة ليست مقياسا لصواب أو خطأ الترجمات القديمة، عربية أو عبرية لاختلاف اللحظتين التاريخيتين، بالإضافة إلى الموقفين الحضاريين المتمايزين.
21
| ثانيا: الترجمة والمصطلح
ونظرا للاختلاف بين الترجمة الحرفية والترجمة المعنوية تختلف المصطلحات. في الترجمة الحرفية تكون المصطلحات حرفية، أقرب إلى اللفظ منها إلى المعنى، وفي الترجمة المعنوية تكون المصطلحات معنوية، أقرب إلى المعنى منها إلى اللفظ. وهذا هو السبب في عدم استقرار المصطلحات، فإذا نقل المترجم حرفيا عيب عليه حرفيته، وإذا ترجم معنويا عيب عليه تصرفه، وكأن المترجم العربي متهم في كلتا الحالتين؛ ومن ثم فالحكم على الترجمة العربية بأنها هراء لا معنى له، إغفال لدور الترجمة باعتبارها نقلا حضاريا، وإعادة كتابة النص من بيئة ثقافية إلى بيئة ثقافية أخرى.
1
وقد تكون هناك مراجعات مستمرة للترجمتين معا، الحرفية والمعنوية، إصلاحا وتحسينا وإتقانا، انتقالا إلى المراحل التالية، الشرح والتلخيص والجوامع، ثم إلى المرحلة الثالثة العرض والتأليف. ولا توجد قاعدة واحدة ولا منطق واحد لترجمة المصطلحات يمكن الاحتكام إليه.
2
ولم يخطئ المترجم العربي حين جعل الصفر للحن والمزامير للنغم، بل خصص لكل لفظ شيئا من النغم في المزامير والوزن في الرقص والمحاكاة في اللفظ؛ أي الأقاويل المخيلة غير الموزونة.
3
ولم يخطئ أيضا في ترجمته
Dusmemo
بالنافع؛ لأن الفعل وجميع مشتقاته تشير إلى شيء ما حلو؛ فلا فرق بين النافع والحلو والحسن والجميل. ولم يخطئ المترجم في نقل كلمة
apongelia
بالمواعيد، وهي تشير إلى السرد لأنه كان يترجم حرفيا. وإذا كان الناقل قد ترجم
O tes ophews Kosmos
بجمال الوجه والعبارة تعني المناظر المسرحية، وقد تشمل ملابس الممثلين وزينتهم، ليس لأن المترجم غير يوناني لا يعرف الثقافة المسرحية اليونانية. ولم تكن هناك كتب عن تاريخ المسرح اليوناني، ولا قواميس كما هو الحال عند المترجم الحديث، بل لأنه يعطي المعنى الجزئي الدال، وليس المعنى الكلي طبقا لمنطق إعادة كتابة النص. ولم يخطئ المترجم العربي في نقله كلمة
Teratwdes
بالتعجب؛ لأنها تعني الرعب والفزع كما هو الحال في الترجمة الأوروبية الحديثة؛ لأن الموقفين الحضاريين للمترجمين العربي والأوروبي مختلفان. كذلك لم يخطئ المترجم العربي في ترجمة
Eleein
ينبهر، وهي تعني يشفق طبقا للترجمة الأوروبية الحديثة؛ فمعاني القواميس الحديثة ليست مقياسا للنقل الحضاري القديم.
لا توجد إذن أخطاء في الترجمة بل فقط الخلاف بين الترجمة الحرفية والترجمة المعنوية، بين ترجمات متعددة لإصلاح الترجمات الأولى. الترجمة خارج منطق الصواب والخطأ. الترجمة ليست مطابقة لفظ بلفظ؛ فكل لفظ في لغته له مدلوله الخاصة، ويثير في ذهن المترجم غير ما يثيره في ذهن مترجم آخر؛ لذلك استحالت ترجمة القرآن. لم يخطئ المترجم العربي إذن في ترجمة
Mythos
الأسمار والأشعار، كما أن ترجمة الطرغوديا والقوموذيا بالمديح والهجاء حسن تصرف، وليس خطأ فاحشا كانت له آثار وبيلة. ليس المقصود أنهما يعنيان نفس المعنيين عند العرب، ولكن النقل الحضاري بالرغم من اختلاف المعنى أفضل تعريب الفارابي وابن سينا؛ إذ يؤدي ذلك إلى إدخال ألفاظ أعجمية على اللغة. كما يكشف عن العجز في النقل الحضاري، ويخلق بؤرا ثقافية منعزلة تحدث انشقاقا في الثقافة بين وافد وموروث. لم يخلط أحد بين المحاكاة الأرسطية والتمثيل والتشبيه عند العرب فالمعنى الكلي واحد، وهذا هو النقل الحضاري. الفروق الدقيقة ترجمة أوروبية حديثة حرفية وضعية قاموسية، وليست نقلا حضاريا.