تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14

ويراجع المترجم الشراح اليونان والشراح النصارى والمترجمين العرب الآخرين، ويعتمد على قول أرسطو نفسه لتأييد موقفه وكمقياس للاختيار، والكل يروي عن الأصل وهو أرسطو كما هو الحا، فيما رواه الحديث عن النبي لنشر المعارف ونقل العلوم.

15

هناك رواية من الدرجة الأولى؛ أي السماع المباشر، عندما يسمع المترجم عن مترجم آخر. وهناك رواية من الدرجة الثانية، عندما يسمع المترجم عن مترجم مجهول، وحلقات متوسطة مجهولة، كما هو الحال في المقطوع والمرسل في علم الحديث. يصحح المترجم أو الشارح العربي النصراني للشارح اليوناني فهمه؛ لعدم إصابته في فهم النص ، ويعتمد التعليق على الشراح اليونان تأييدا أو نقدا، اعتمادا أو رفضا، مما يدل على أن التعليق شرح يتعامل مع الشروح الأخرى. ليس المعلق الجديد تابعا للشراح اليونان ولاهثا وراءهم، بل هو رفيق طريق، تقابل معهم عرضا في مهمة الشرح.

16

وقد يرجع التعليق الخلاف بين الترجمات إلى الشراح اليونان.

17

وقد كانت مادة إدماج الشروح في النص أيضا عادة الشراح اليونان، دون أن يقال عنهم إنهم وقعوا في الخلط وإساءة الفهم، كما يقال عن الشراح العرب، نصارى ومسلمين.

وقد اعتمد المترجمون على الشراح اليونان في حالة المراجعة والمقارنة والتصحيح استرشادا بهم خاصة الإسكندر الأفروديسي؛ فلم يترجموا النصوص اليونانية الأصلية فقط، بل أيضا شروحها اليونانية عند أهلها، مثل شروح الإسكندر على أرسطو. وقد يفهم قول الشارح اليوناني بقول أرسطو، فيتحول الشرح إلى نص والنص إلى شرح.

18

لم تكن محاولة تعرف الشراح العرب على الشراح اليونان جريا وراء اليونان، بل من الحرص على التراث اليوناني كله أصلا وشرحا. وقد يدخل الشراح العرب في حوار مع أرسطوطاليس ومع الشراح اليونان، من أجل تركيب الجدل وبحث القضايا.

19

وتعتمد التعليقات أيضا على شراح أرسطو اليونان، الإسكندر، و«ثامسطيوس» ويحيى، وسمبليقيوس، فهل قام هؤلاء الشراح بأية عمليات حضارية تالية أم كانوا مجرد شراح؟ وإذا كانوا قاموا بنقل حضاري داخل الحضارة اليونانية طبقا لمراحل تطورها، فهل قاموا بذلك عن وعي أو عن غير وعي؟ ما يهمنا هو نقل النص من حضارة إلى أخرى وليس شرح نص داخل حضارته. ولماذا استعمل الشراح العرب الشراح اليونان؟ هل لأن الشراح اليونان أكثر إلهية من أرسطو؟ أم إنهم قاموا بنفس العمليات الحضارية بالنسبة إلى العقيدة المسيحية؟ لقد قام الشراح اليونان بتطويع النص حضاريا قبل الشراح العرب؛ وبالتالي وجد الشراح العرب أمامهم النص ممهدا سلفا، أو على الأقل نموذجا للتطويع؛ ومن هنا جاءت إشاراتهم المستمرة إلى الإسكندر، «قال الإسكندر» أو إلى غيره من الفرق اليونانية مثل الرواقيين. وتدل معظم هذه الإشارات إلى الإلهيات الغائية في النص اليوناني الأصلي.

20

ويظل السؤال قائما: هل كان للشراح اليونان مشروع حضاري مسيحي يوناني، أم كانوا مجرد أكاديميين، نشب بينهم باعتبارهم تلاميذ لأرسطو خلاف على المدرسة تأويلا وقيادة؟ صحيح أن الشراح اليونان؛ الإسكندر، وثامسطيوس، وسمبليقوس، ويحيى النحوى كانوا يونانيين وليسوا مسيحيين، ومع ذلك يظل السؤال: هل كان للجو المسيحي العام، الروح الجديدة للحضارة اليونانية، أثر على شراح اليونان؟ ويمكننا قراءة الشراح اليونان بإمعان أكثر؛ فلربما توجد عمليات حضارية وراء شروحهم، تكشف تطور ثمانية قرون، أربعة قبل الميلاد وأربعة بعد الميلاد. وتلك مهمة الباحث الأوروبي لمعرفة العمليات الحضارية من النص اليوناني إلى الشارح اليوناني؛ فهو أدرى بها ويعيشها أكثر منا؛ فتلك ثقافته الوطنية، كما تتم الإحالة إلى ثامسطيوس وإلى فرفوريوس.

21

وعندما يشار إلى أن الشارح يتكلم في موضوع «حسب رأي أرسطاطاليس»، فإن ذلك يعني استقلال الموضوع عن المؤلف، وأن المؤلف له رأي في الموضوع المستقل عنه. وهذا الموضوع فيه آراء متعددة لأرسطو ولغيره من الشراح. الشرح إذن بداية التمييز بين النص والمؤلف، حتى يستقل الموضوع عن الشارح نفسه على يد العارض أو الفيلسوف المبدع، كما استقل من قبل عن المؤلف. وأحيانا لا يذكر اسم المؤلف، فلا يهم أن كان أرسطو أم أفلاطون، المهم القول المستقل.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٤٦