32 (16)
وكثرت مثل هذه القواميس المحدثة حتى أصبحت سباقا على العلم وربما التعالم، ومزاحمة في النشر، وسعيا وراء الرزق وسدا للفراغ الاصطلاحي في المدارس والجامعات، بدعوى الموضوعية والحياد، وجمع المادة التاريخية، والحقيقة بسبب غياب الرؤية الحضارية عند المحدثين؛ ومن ثم ازدوجت الأزمة، أزمة نهاية اللحظة الحضارية الأولى مع الوافد اليوناني والشرقي، وعدم بداية اللحظة الحضارية الثانية مع الوافد الغربي وغياب الشرقي.
33
| الفصل الثالث: التعليق
| أولا: من الترجمة إلى التعليق
(1) التعليق وحصار النص
والتعليق بداية الخروج على النقل المعنوي إلى التأليف، إعادة إنتاج النص المنقول، والاستقلال عن النص، وبداية القراءة. التعليق مراجعة للنص، وتحويله من معيار إلى معار، ومن مقياس إلى مقيس، ومن ذات إلى موضوع ومن مستوى الندية، ندية المنقول والناقل، إلى مستوى التفوق، تفوق الناقل على المنقول. التعليق تحرر من النص الأول، بعد استنفاذ أغراض النقل وهو المعرفة، والانتقال من المعرفة إلى النقد. التعليق بيان وشرح للترجمة وتوجه بالنسبة إلى النص الأصلي ولو احتمالا.
1
قد يعطي التعليق مثلا توضيحيا لشرح النص، وقد يشرح معنى النص ويتساءل حوله مستفهما، قد يشرح معناه ويعطي احتمالات أخرى،
2
التعليق بداية الشرح، وبيان المعنى والغرض والقصد. هو جزء لا يتجزأ من النص كموقف حضاري، وإن لم يكن جزءا من النص كوثيقة تاريخية. التعليقات بداية التفكير؛ وبالتالي فهي أكثر دلالة من النص الأصلي على الموقف الحضاري. في التعليق هناك إحساس باللغة، وتوجه نحوه، وذكر للفيلسوف باتجاهه نحو المعنى. الشرح هو الانتقال من المعنى إلى اللفظ، وتحويل المعاني المفهومة إلى لغة عربية سليمة وليست مترجمة؛ لذلك كانت الترجمة المعنوية خطوة نحو التعليق. وعندما يكون النص المترجم واضحا، منقولا بأسلوب عربي سليم، لا تظهر الحاجة إلى التعليق ، إلا بقدر ضئيل، قد لا يتجاوز عبارتين أو ثلاثة أو فقرة صغيرة.
3
وإذا كان النص خصبا فإنه تكون له عدة تعليقات وشروح مثل الشروح الأربعة لكتاب الطبيعة.
4
التعليق بداية الشرح والتلخيص، الأول بالإضافة والثاني بالحذف. والفروق بين التعليق والشرح، أن التعليق من المترجم، والشرح والتلخيص من الشارح والملخص. التعليق جزء من الترجمة المعنوية، في حين أن الشرح والتلخيص نوعان أدبيان مستقلان. في التعليق الترجمة هي الأساس، والتعليق هو الفرع، وفي الشرح والتلخيص، الشرح والتلخيص هما الأساس، والترجمة هو الفرع. التعليق داخل في الترجمة، وجزء من الترجمة المعنوية، أما الشرح والتلخيص فخارجان عن الترجمة منفصلان عنها. مهمة التعليقات محاصرة النص من الخارج في التعليقات الصغيرة في الهوامش كحراس للأطراف، ومهمة الترجمة خلق النص في الداخل والحفاظ على المركز.
قد يكون التعليق سابقا على النص، وكأن الترجمة هي التي تشرح التعليق. التعليق هنا تلخيص للنص والتعبير عنه كرأس موضوع؛ فيصبح التعليق هو النص المشروح والترجمة هي النص الشارح.
قد يكون التعليق أوضح من النص تعبيرا عن النص المترجم حرفيا، بعبارات عربية أكثر سهولة ويسرا من حيث فن الكتابة، فإذا كانت الترجمة حرفية بغية للدقة، فإن التعليق معنوي حرصا على فهم المعنى.
5
ويستعان على ذلك بضرب الأمثلة. ويغلب على التعليق القول الشارح، طابع الأمالي والمحاضرات والسماع، حتى تتحقق الغاية من الترجمة وهي إيصال المعاني، خاصة وأن النص ذاته كان سماعا؛ أي محاضرات غايتها الإفهام وإيصال المعاني.
6
وقد يكون فقرة شارحة لعبارة واحدة أو لفقرة واحدة، أو لإحدى مقالات الكتاب أو لمجموع الكتاب كله. قد يكون التعليق أكثر إيصالا للمعنى من النص؛ لأن التعليق يبدأ بالمعنى فيخرج اللفظ طواعية، في حين أن النص يبدأ باللفظ ويحرص عليه فيتوارى المعنى، ويتراوح بين الأقل غموضا والاكثر وضوحا؛ فهناك ترجمات تختلف فيما بينها لغويا وضوحا وغموضا من حيث الصلة بين اللفظ والمعنى، فإذا كان في النص «المسائل» ففي التعليق المطالب. وإن كان في النص للبعض ففي التعليق لواحد. وإذا كان في النص فصل يتجاوز ففي التعليق يتعدى . التعليقات أكثر وضوحا وأقرب إلى العقل، وأكثر تركيزا على المعنى من ترجمة النص لفظا بلفظ، وحرفا بحرف. التعليق لم شتات النص واحتواء للنص بالروح لا بالبدن، بالمعنى لا باللفظ. وهو عمل فلسفي بالأصالة، إذا كانت الفلسفة هي القدرة على التعامل مع المعنى كموضوعات مستقلة.